– أستاذ محاضر في علم الاجتماع والفلسفة، جامعة الجزائر
في لحظة تاريخية مفصلية، وقف النبي موسى أمام قومه داعياً إياهم إلى دخول الأرض المقدسة، أرض فلسطين، بعد رحلة الخروج من بطش فرعون. لكن هذه الدعوة لم تلقَ استجابة، بل قوبلت برفض صريح، بحجة أن في الأرض قوماً جبارين لا طاقة لهم بمواجهتهم. هنا، لم يكن الرفض مجرد موقف عابر، بل تعبيراً عن بنية نفسية واجتماعية مأزومة، تخشى المواجهة وتؤثر السلامة على حساب الحرية.
هذا الرفض أدخل بني إسرائيل في حالة التيه أربعين عاماً، وهي فترة لم تكن عقاباً زمنياً فحسب، بل إعادة تشكيل للوعي الجمعي. لقد مات جيل التردد، ونشأ جيل جديد، تعلّم القتال، وتدرّب على الفروسية، واستعاد معنى الإرادة، ليكون قادراً على خوض معركة العبور نحو الأرض المقدسة.
في هذا السياق، يمكن قراءة تجربة حركة فتح بوصفها امتداداً رمزياً لهذا النموذج التاريخي. ففتح، التي انطلقت من رحم المعاناة، حملت مشروع التحرر، وأعادت تشكيل الهوية الفلسطينية من حالة الانتظار إلى حالة الفعل الثوري. غير أن التحولات التي شهدتها في جيلها المعاصر تطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة هذا الفعل.
لقد أزاح هذا الجيل، إلى حد كبير، مفاهيم الشهادة والكفاح المسلح من مركز الفعل النضالي، واستبدلها بخيارات سياسية وسلمية. وبينما يمكن فهم هذا التحول في سياق التغيرات الدولية والإقليمية، إلا أن السؤال الجوهري يبقى: هل نحن أمام تحول تكتيكي، أم انحراف عن القيم المؤسسة؟
إن المقارنة بين قوم موسى الذين رفضوا القتال، وبعض ملامح الجيل المعاصر في حركة فتح، تفتح أفقاً نقدياً حاداً. فهناك تشابه في لحظة التردد، وفي إعادة تعريف أدوات المواجهة. لكن التاريخ يعلمنا أن التردد، حين يتحول إلى نمط، قد يؤدي إلى التيه، لا الجغرافي فحسب، بل الوجودي أيضاً.
لقد استنسخ البعض مفاهيم جديدة للنضال، اعتبر فيها أن الشهادة لم تعد قيمة عليا، بل عبئاً أخلاقياً، وهو تحول يستدعي وقفة تأمل عميقة. فالنضال، في جوهره، ليس فقط أدوات، بل منظومة قيم، وإذا ما تم تفريغه من هذه القيم، فقد يتحول إلى مجرد ممارسة بلا روح.
إن من ينحرف عن القيم الكبرى، لا يمكن أن يحتل مكاناً في الوجدان الجمعي، لأنه يفقد الرابط الأخلاقي الذي يجمعه بجماعته. وهنا، يتشكل انقسام رمزي بين طريقين: طريق يحمل عبء القيم والتضحيات، وطريق يبحث عن تسويات قد تفرغ القضية من معناها.
في الختام، تبقى جدلية العبور – من التيه إلى الأرض، ومن التردد إلى الفعل – هي جوهر كل مشروع تحرري. وما بين تجربة موسى وقومه، وتجربة حركة فتح في حاضرها، تتكرر الأسئلة ذاتها: من نحن؟ وأي طريق نختار؟ وهل نملك شجاعة العبور؟






