لم يعد بالإمكان الفصل بين تطور الوسائل القتالية في الحروب وبين التحولات المتسارعة في تقنيات الإعلام المعاصر. فمع كل نقلة نوعية في ميدان القتال، يبرز نمط إعلامي موازٍ يعيد تشكيل إدراك الجماهير، ولعل أبرز هذه الأنماط اليوم ما يُعرف بـ«السلوباغاندا».
يتفق خبراء الإعلام على أن التأثير الإعلامي بات يشكل ما يقارب 70% من عوامل ترجيح كفة الصراعات الحديثة، وهو ما دفع العاملين في هذا المجال إلى ابتكار أدوات جديدة، مستفيدين من قدرات الذكاء الاصطناعي، ليس فقط لتحسين الأداء المهني، بل لصياغة نظريات وأساليب أكثر تأثيراً في تشكيل الوعي الإنساني.
تتميز «السلوباغاندا» بخصائص تجعلها قادرة على التسلل إلى عمق العقل البشري، مستهدفة مشاعره وذاكرته، من خلال محتوى يمزج بين الحقيقة والخيال. ورغم حداثة هذا الأسلوب، فقد تمكن من الاستحواذ على اهتمام الرأي العام بدرجة ملحوظة، وفق دراسات أولية، ما يعكس قدرته على الانتشار السريع والتأثير العميق.
وعلى خلاف الأساليب الإعلامية التقليدية التي تعتمد على الإغراق بالمحتوى النصي أو التكرار المرهق للرسائل، تقدم «السلوباغاندا» نفسها كأداة أكثر مرونة وخفة، تسعى إلى تعزيز فكرة معينة وترسيخها في ذهن المتلقي، وصولاً إلى استمالة الرأي العام وإقناعه بمواقف سياسية أو أمنية أو اقتصادية، خاصة في أوقات النزاعات.
وتبرز تطبيقات هذا النمط الإعلامي بشكل واضح في التغطيات المتداولة للصراعات الدولية المعاصرة، حيث يتم توظيف محتوى متعدد الوسائط يجمع بين لقطات حقيقية ومشاهد مقتبسة من أفلام أو ألعاب فيديو، إلى جانب مواد مُنتجة بالذكاء الاصطناعي. ويهدف هذا الدمج إلى خلق سردية مؤثرة، لا تعتمد بالضرورة على الدقة بقدر اعتمادها على إثارة الانتباه وتحفيز التفاعل العاطفي.
ولا تقتصر «السلوباغاندا» على تقديم معلومات مضللة أو أخبار كاذبة، بل تكمن خطورتها في قدرتها على خلق حالة من التشويش الذهني، عبر مزج الوقائع بالخيال، ما يدفع المتلقي إلى تبني ما يتوافق مع ميوله أو يعزز قناعاته المسبقة. وهنا، يتحول الهدف من إقناع الجمهور بالحقيقة إلى التحكم بمشاعره وتوجيه ردود أفعاله.
يمكن تلخيص عمل «السلوباغاندا» في ثلاثة مستويات رئيسية: أولها جذب الانتباه من خلال محتوى سريع ومثير، كالفيديوهات الساخرة أو الصادمة. وثانيها خلق التشويش عبر الدمج بين عناصر واقعية وخيالية. أما المستوى الثالث، فيتمثل في ترسيخ روابط ذهنية وعاطفية تجعل المتلقي أكثر قابلية لتبني الرسائل الموجهة.
إن انتشار هذا الأسلوب يسهم بشكل مباشر في تآكل الثقة بالمحتوى الإعلامي، حيث يصبح التمييز بين الحقيقة والتلاعب أكثر صعوبة. ومع تزايد هذا التأثير، يجد الأفراد أنفسهم أمام سيل من الرسائل التي تستهدف مشاعرهم قبل عقولهم.
في المحصلة، لم تعد الحروب تُخاض بالصواريخ وحدها، بل بالصور والفيديوهات والمشاعر أيضاً. وأمام هذا الواقع، لم يعد الوعي ترفاً، بل بات خط الدفاع الأخير في مواجهة محاولات التلاعب بالعقول وتوجيه الرأي العام.








