في الإرث الثقافي العربي، ظلّت مقولة «الحاجة أمّ الاختراع» تمثّل خلاصة قرونٍ من الخبرات والتجارب الإنسانية. ولم تكن هذه العبارة مجرد تزيينٍ لغوي أو محسّنٍ بلاغي، بل تعبيرًا فلسفيًا دقيقًا عن حركة التاريخ البشري؛ فالحاجة كانت دائمًا الدافع الأول للاكتشاف والابتكار وإعادة تشكيل شروط الوجود. وهي، كما حلّلها الفيلسوف الأمريكي جون ديوي، ليست مجرد افتقارٍ إلى شيء مادي، بل محرّكًا أساسيًا للعقل العملي وأداةً لديناميكية الإبداع في مواجهة تحديات الواقع.
غير أنّ الوجه الآخر للحاجة، حين يتحوّل إلى عجزٍ دائم ومزمن ـ أي إلى بطالة ـ يلد كارثةً شاملة. ولو أنّ أسلافنا العرب عرفوا البطالة بصيغتها الحديثة، لقالوا: «البطالة أمّ الكوارث». ففي المجتمعات الزراعية التقليدية، كما يشير المؤرخ وعالم الاجتماع إريك هوبسباوم، كانت العلاقة بين الإنسان والأرض تمنح نوعًا من الأمن الوجودي، بحيث لم يظهر مفهوم البطالة بمعناه الحديث إلا مع صعود الرأسمالية الصناعية والانفصال التدريجي بين العمل ووسائل العيش.
وفي عالم اليوم، كما يتجلّى بوضوح في كثير من الدول العربية، أصبحت البطالة تهديدًا بنيويًا لا يمسّ الغذاء والأمن فحسب، بل يطال التعليم والصحة والثقافة والانتماء الوطني. فالإنسان العاطل عن العمل يشعر، كما يقول عالم النفس إريك فروم، بأنه «عاطل عن الوجود ذاته»، وأن قيمته تتآكل في نظر نفسه قبل نظر المجتمع.
وتتفق دراسات علم الاجتماع الحديثة، كما نرى في أبحاث بيير بورديو وزيغمونت باومان، على أنّ البطالة تُنتج طبقةً اجتماعية مهمّشة تتآكل فيها الروابط الاجتماعية وتتفكك الشبكات التقليدية للدعم، مما يجعل الأفراد أكثر عرضة للجريمة والعنف والتطرّف. ويؤكد الطاهر بن جلون في كتابه ذروة العزلات أنّ البطالة تفضي إلى عزلةٍ قاتلة، حيث يصبح الإنسان ضحيةً صامتة للهامشية، مسكونًا باللاجدوى، ومتآكلًا بالفراغ.
إنّ البطالة في عالمنا العربي ليست مجرد أزمة اقتصادية، بل مأزق وجودي شامل. فهي تخلق ما سمّاه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر «الانكشاف العاري للوجود»، حين يفقد الإنسان أدواته للتموضع في العالم، ويصبح وجوده معلّقًا بين فراغين: فراغ الحاضر وفراغ المستقبل.
ومع تزايد نسب البطالة بين الشباب العربي، فإننا نقف أمام قنبلةٍ زمنية موقوتة. فهؤلاء الشباب، الذين لا يحلم كثيرٌ منهم إلا بالوجبة القادمة، يفقدون القدرة على تخيّل مشروعٍ تحرري أو سياسي أو ثقافي. وهكذا يتحولون إلى مادة خام تستثمرها قوى التطرّف والعنف، كما حلّلت الفيلسوفة الألمانية حنة آرنت في كتابها أصول الشمولية، حين بيّنت كيف يوفّر الفراغ الوجودي والشعور باللاجدوى والانسلاخ عن المجتمع بيئةً خصبة لنموّ أكثر أشكال العنف تطرّفًا.
وبذلك، فإن الحاجة ـ التي كانت محرّكًا للاختراع حين كانت تحديًا إيجابيًا ـ تتحوّل، عبر البطالة، إلى بؤرةٍ للكارثة حين تصبح انسدادًا وجوديًا واجتماعيًا. وكما يشير المفكر الفرنسي إدغار موران، فإننا بحاجة إلى «ثورة ثقافية وجودية» تعيد تعريف العمل، لا بوصفه وسيلةً للعيش فقط، بل بوصفه سبيلًا لإثبات الذات والانخراط الفاعل في العالم.
وخلاصة القول، إنّ المجتمعات التي تفشل في مواجهة آفة البطالة لا تخسر نموّها الاقتصادي فحسب، بل تخسر نسيجها الاجتماعي وركائز وجودها السياسي والثقافي. فالحاجة تصنع الاختراع، لكن البطالة تصنع الجريمة والانتحار والدمار. وهنا يكمن التحدّي الأكبر: أن نُعيد تحويل الحاجة إلى طاقةٍ للخلق والإبداع، لا إلى هاويةٍ للسقوط والانهيار.








