نعم، أعرف ان الناس يعودون إلى “الكهوف” لحظة اشتداد العاصفة، أمّا الكهف في المشرق العربي، فقد بدّل اسمه حتى بات يحمل اسم:
ـ الطائفة.
ومع ذلك، ظهر في هذا المشرق رجال حاولوا، كلٌّ بطريقته، أن يفتحوا نافذة في هذا الجدار المغلق.. لم يكونوا متشابهين في أفكارهم ولا في مشاريعهم، لكنهم اشتركوا في شيء جوهري:
ـ الإحساس بأن الإنسان أكبر من طائفته، وأن المجتمعات التي تُبنى على الطائفة، لا تستطيع أن تنتج وطنًا أو حرية أو مستقبلًا.
من بين هؤلاء “خمسة”:
ـ عبد الرحمن الكواكبي، شكيب أرسلان، أنطون سعادة، كمال جنبلاط، وموسى الصدر.
شخصيات خرجت من بيئات دينية وطائفية مختلفة، لكنها حاولت أن تبحث عن أفق أوسع من الجماعة المغلقة:
ـ الأمة، العدالة، الإنسان، الروح، أو الوطن.
ما توافقوا عليه هو أن الطائفة التي قد تكون بيتاً دافئاً، قد تتحول إلى غرفة بلا نوافذ، والأمر لا يتعلق فقط بالعقيدة أو الانتماء، وإنما بما إذا كانت الطائفة تمنح الإنسان معنىً أم تصادر عنه حقّه في أن يكون نفسه؟
ـ الإجابة مشكلة.. في لحظة ما تستعصي على من يحاولها.
فـ حين تتحول الطائفة إلى ذاكرةٍ جماعية، فهي تصبح جزءاً من النسيج الإنساني لحاملها، لكن حين تتحول إلى تعريف، إلى بطاقة هوية تسبق الاسم، تتحول إلى قفص، ربما لأن الإنسان أوسع من أي تصنيف مغلق.. أوسع من الزنزانة.
المشكلة ليست في الانتماء بحد ذاته، بل في اللحظة التي يُطلب فيها من الفرد أن يختصر العالم كله داخل سردية واحدة، وأن يرى الآخرين من خلال جدار الخوف أو الامتياز أو المظلومية الموروثة.. الفعلية أو المختَلَقة.
ـ هناك تصبح الطائفة إطاراً يضيق بالفعل، ليس لأنها صغيرة فقط، بل لأنها تمنع الهواء عن الأسئلة، تُميت السؤال وتتجنّى على الإجابة.
في لحظات المآزق الكبرى، يخاف الناس من الخروج من الطائفة، ليس حباً، بل خوفاً من العراء، فالطوائف تمنح شعوراً بالأمان، خصوصاً في المجتمعات الممزقة أو التي عاشت العنف طويلاً، لكنها قد تطلب ثمناً باهظاً:
ـ أن يتنازل الإنسان عن فرديته، عن حريته الداخلية، وربما عن قدرته على رؤية الآخر كإنسان لا كخصم.
ربما لهذا صلة بالروح البشرية، تلك التي بطبيعتها أوسع من القبيلة، وأوسع من المذهب، وحتى أوسع من الأيديولوجيا.. الإنسان الحقيقي (الطبيعي) يبدأ ربما حين يستطيع أن يحب جذوره دون أن يتحول إلى سجين لها.
تلك مقدمات بالوسع القول:
ـ لاغنى عنها.
ولكن حين يتصل الامر بـ “المشرق العربي”، فالطائفة في هذا المشرق لم تكن مجرد انتماء ديني.. كانت على الدوام نوعاً من المصير، يولد الإنسان داخلها كما لو أنه يولد داخل سردية جاهزة عن العالم، عن الخوف، عن الآخر، وعن النجاة، ولكن ثمة من لم ير النجاة في “الزنزانة”، ثمة من بحث في الفضاءات الاوسع، هؤلاء كان تاريخ أفكارنا ما بعدهم غير ما كان من قبلهم.. شخصيات مثل عبد الرحمن الكواكبي، شكيب أرسلان، أنطون سعادة، كمال جنبلاط والإمام موسى الصدر، مع هؤلاء فإننا لا نكون أمام مفكرين أو زعماء فحسب، بل أمام ذوات مشرقية حاولت أن تتفاوض مع هذا المصير، أن تتجاوزه دون أن تنكره، أو أن تعيد تعريفه بحيث لا يعود قيداً نهائياً على البشر.
ثمة شيء مشترك بين هؤلاء جميعا، رغم اختلاف مشاريعهم، وهو أن الطائفة بالنسبة إليهم لم تكن واحة مستقرة، بل سؤالاً مؤلماً.. لقد خرجوا من جماعات شعرت بدرجات مختلفة، بالتهديد أو الهامشية أو الانكسار التاريخي، ولذلك بدا تجاوز الطائفة عندهم ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة وجودية، كأن الطائفة كانت جرحاً، والبحث عن الأمة أو العدالة أو الروح أو الإنسان محاولةً لتحويل هذا الجرح إلى أفق كاد أن يبدو مغلقاً.
ـ هؤلاء حفروا في أرضية الزنزانة، وجدرانها، علّهم يخرجون إلى الفضاءات الأرحب، إلى الإنسان الذي لايتعايش مع حُطامه، بقدر ما يُشفي جراحه.
مجلة صور









