المواطنة والهوية الوطنية: جدلية الانتماء وبناء الدولة الحديثة:

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

تُشكّل المواطنة واحدةً من أهم المفاهيم السياسية والاجتماعية التي تلتقي فيها الحقوق بالواجبات، وتتوازن عندها الالتزامات بين الدولة وأبنائها، لتخلق حالةً من التعايش العادل والرضا المتبادل. وهي، كما يرى جان جاك روسو في “العقد الاجتماعي”، «رابطة إرادية تقوم على التزامات متبادلة»، حيث يُسلِّم الفرد بعضاً من حريته الطبيعية ليحصل، في المقابل، على الحرية المدنية والحماية القانونية.
وهكذا، فإنّ المواطنة ليست مجرد رابطة قانونية، بل نسقٌ قيميّ يؤطّر العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين المجتمع والدولة، ويجعل تحقيق العدل والمساواة والتعاون هدفاً جوهرياً.
أضلاع المواطنة وقيمها الجوهرية
يمكن القول إنّ المواطنة تقوم على أربعة أضلاع: الحريات، والمشاركة، والاستحقاقات، والرفاه.
وتعبّر هذه الأضلاع عن منظومةٍ قيميةٍ لا تكتمل المواطنة من دونها، مثل: العدل، والمساواة، والحرية، والتعاون، والمصداقية، والأمانة، والانتماء، والمشاركة، والعقلانية، والأداء المتفوق.
وقد أشار الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط إلى أهمية احترام الكرامة الإنسانية بوصفها حجر الزاوية للمواطنة الحقة، إذ «يجب معاملة الإنسان كغايةٍ في ذاته، لا وسيلةً لغاياتٍ أخرى»، ما يعني أنّ الحقوق والواجبات لا يمكن أن تكون أداةً للتمييز، بل أفقاً للعدالة.
وتتجلّى المواطنة عملياً في تعزيز الثقة بين المواطن والدولة، من خلال الشفافية، والمساءلة، وإتاحة المعلومات، والانتخابات النزيهة، ومحاربة المحسوبية والواسطة. كما يُعدّ رضا المواطن عن القوانين الضريبية، وغياب التهرّب الضريبي، وانتفاء الاستقواء على الدولة، مؤشراتٍ صلبةً على نضج تجربة المواطنة.
تحديات المواطنة في عالمٍ معولم
رغم هذه الأسس، تواجه المواطنة تحدياتٍ كبرى في العصر الراهن، بفعل العولمة، والتعصب، والانغلاق، والتمييز، والعنصرية. وكما أشار المفكر المعاصر أنتوني جيدنز، فإنّ «العولمة تعيد تشكيل العلاقات بين الفرد والدولة»، ما قد يؤدي إلى ضعف الحس الوطني، أو إلى الانكفاء داخل هوياتٍ فرعية (عرقية، دينية، طائفية)، بما يقوّض أحياناً الوحدة الوطنية.
والمواطنة ليست معطىً جاهزاً، بل «هبة تاريخية» – كما جاء في مدونة المواطنة والهوية الوطنية – تقتضي جهداً متواصلاً لترسيخها، ومواجهة مساوئ التشرذم والكراهية والصراع الأهلي. فالوحدة الوطنية ليست شعاراً، بل مشروعاً يومياً لترميم الثقة بين أبناء الوطن الواحد.
الهوية الوطنية: المعنى والدور
تمثل الهوية الوطنية السمات التي تجعل شعباً متميزاً عن سواه، وتحقيقها يعني تعزيز الانتماء، والفخر، والسعادة، والرغبة في العمل والإبداع.
وبحسب الفيلسوف تشارلز تايلور، فإنّ الهوية هي «اعتراف»، أي شعور الإنسان بأنه مُعترف به ضمن جماعة سياسية أو ثقافية. فغياب الاعتراف يولّد الاغتراب، فيما يمنح الاعتراف قوةً دافعةً للمواطنة الفاعلة.
ورغم أنّ الهوية الثقافية تُعدّ رافداً مهماً للهوية الوطنية، فإنها تبقى جزءاً منها وليست بديلاً عنها. فالهوية الوطنية هي الإطار الأوسع الذي يستوعب التنوع الثقافي، ويضمن له حرية التعبير، من دون أن يسمح له بتمزيق النسيج الوطني.
خلاصة: المواطنة بوصفها وعياً وممارسة
إنّ المواطنة ليست مجرد وثيقة رسمية أو نصّ قانوني، بل وعيٌ عميق بالانتماء، وممارسةٌ يومية للحقوق والواجبات في أفق الحرية والمساواة. ونجاح الدولة في ترسيخها مرهونٌ بمدى قدرتها على تفعيل منظومتها القيمية، ومأسسة الشفافية، وتكريس العدل، وإشراك مواطنيها في صياغة مصيرهم المشترك.
إنّ مشروع المواطنة لا يكتمل إلا بمواكبة الهوية الوطنية التي تترجم تاريخ الأمة، وتحفظ تميّزها، وتستشرف مستقبلها.