نحو توظيف كل أدوات القوة الفلسطينية في مشروع وطني واحد
لم تعد الأزمة الفلسطينية اليوم أزمة نقص في التضحيات أو غياب الشرعية الدولية، بل أزمة قدرة على تحويل عناصر القوة الفلسطينية المتعددة إلى مشروع وطني متكامل. فطوال العقود الماضية، ظل التفكير السياسي الفلسطيني أسير ثنائيات حادة: الثورة أم الدولة، التحرر أم الإدارة، السياسة أم الميدان، التفاوض أم المواجهة. ومع الزمن، تحولت هذه الثنائيات إلى حالة استنزاف فكري وتنظيمي عطّلت القدرة على إنتاج رؤية وطنية أكثر شمولاً ومرونة.
غير أن التجربة الفلسطينية، وخاصة في ظل حرب الإبادة والتطهير العرقي الراهنة، أثبتت أن المشروع الوطني لا يمكن أن ينتصر بأداة واحدة، ولا أن يُختزل في شكل منفرد من أشكال النضال. فالقضية الفلسطينية ليست مجرد ملف سياسي، بل قضية وجود وهوية ورواية وسيادة، ما يفرض توظيف كل عناصر القوة الفلسطينية ضمن استراتيجية وطنية شاملة تقوم على مفهوم “الصمود النشط”.
الصمود النشط ليس مجرد بقاء تحت الاحتلال، بل فعل سياسي وميداني وثقافي وقانوني متكامل، يحول وجود الفلسطيني على أرضه إلى حالة اشتباك دائمة مع المشروع الصهيوني. وهو انتقال من عقلية الدفاع السلبي إلى عقلية المبادرة وبناء التأثير، ومن انتظار التحولات الدولية إلى المشاركة في صناعتها.
لقد أثبتت الانتفاضة الثانية وهبة الأقصى قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود والمواجهة وإعادة القضية إلى مركز الاهتمام العالمي، لكن التحولات الدولية الحديثة أظهرت أن ميادين الصراع لم تعد تقتصر على المواجهة التقليدية فقط، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، والرأي العام العالمي، والمحاكم الدولية، والاقتصاد، والثقافة، والرياضة، والرواية الإعلامية.
ومن هنا برزت الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ”الخيار الثالث”؛ ليس باعتباره بديلاً عن النضال الوطني التقليدي، بل باعتباره توسيعاً لساحات الاشتباك الوطني، بحيث تتحول كل مؤسسة فلسطينية، وكل مساحة حضور فلسطيني، إلى أداة من أدوات مشروع التحرر الوطني.
وفي هذا السياق، برزت الرياضة الفلسطينية باعتبارها أحد أبرز نماذج “الخيار الثالث” في الصمود النشط، حيث تحولت من نشاط رياضي تقليدي إلى أداة سيادية ووطنية ودبلوماسية تخدم المشروع الوطني الفلسطيني. فالرياضة نجحت في إيصال فلسطين إلى الملاعب والاتحادات والمحافل الدولية، وفرضت العلم الفلسطيني والنشيد الوطني في ساحات عالمية حاول الاحتلال طويلاً إقصاء الفلسطيني عنها.
وقدمت تجربة الأخ جبريل الرجوب نموذجاً عملياً لهذا التحول، من خلال إدراكه المبكر أن معركة الفلسطينيين ليست فقط معركة حدود وجغرافيا، بل أيضاً معركة حضور ووعي ورمزية دولية. فتم توظيف الرياضة لبناء شبكة علاقات دولية، وتعزيز التضامن العالمي مع فلسطين، وكسر العزلة السياسية، وتحويل اللاعب الفلسطيني إلى سفير للرواية الوطنية الفلسطينية في العالم.
إن أهمية هذه التجربة لا تكمن فقط في بعدها الرياضي، بل في كونها نموذجاً لفكرة أعمق، وهي أن المشروع الوطني الفلسطيني يحتاج إلى توظيف كل مساحات القوة الممكنة؛ من السياسة إلى الثقافة، ومن الاقتصاد إلى الإعلام، ومن القانون الدولي إلى الرياضة، ضمن رؤية وطنية موحدة تحول كل مساحة فلسطينية إلى ساحة اشتباك وطني وسيادي.
إن المطلوب اليوم لا يقتصر على تطوير الخطاب السياسي، بل يتعداه إلى إعادة بناء الرؤية والسياسات العامة لكل وزارة ومؤسسة من مؤسسات الدولة الفلسطينية، بحيث يُعاد تعريف دورها باعتبارها جزءاً من مشروع التحرر الوطني. فوزارة التربية مطالبة ببناء الوعي الوطني، ووزارة الاقتصاد مطالبة بتعزيز اقتصاد الصمود، ووزارة الثقافة والإعلام مطالبتان بإدارة معركة الرواية، فيما تتحول الرياضة والتعليم والصحة والإدارة المحلية إلى أدوات سيادية تعزز بقاء الفلسطيني فوق أرضه.
لقد آن الأوان لرئاسة الوزراء والمؤسسات الرسمية الفلسطينية أن تعيد بناء مؤسسات الدولة على أساس “الخيار الثالث”، بحيث تنتقل من منطق الإدارة التقليدية تحت الاحتلال إلى منطق الدولة المنخرطة في مشروع التحرر الوطني. فالدولة الفلسطينية لا ينبغي أن تكون مجرد جهاز خدمات، بل مشروع سيادي مقاوم ومنتج للثبات الوطني.
إن السؤال الحقيقي لم يعد: “أي الأدوات نختار؟”، بل: “كيف نوظف كل أدوات القوة الفلسطينية في مشروع وطني واحد؟”. هنا تبدأ معركة الانتصار الحقيقية، وهنا يتحول الصمود من مجرد بقاء إلى مشروع سيادة وتحرر وبناء دولة.







