من غياب الفكر إلى ولادة الجمهور: في نقد الإنسان المستقيل:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

“لأننا فشلنا في خلق إنسان يفكر، لم يتكوّن لدينا شعب، بل تشكّل لدينا جمهور: جمهورٌ مصفّق، وجمهورٌ لاعن؛ يصفّق مرةً، ويلعن مرةً… لكنه لا يفكّر.”
– إميل سيوران
بهذا القول الحادّ، يضع الفيلسوف الروماني–الفرنسي إميل سيوران إصبعه على جرحٍ عميق في جسد المجتمعات التي استعاضت عن التفكير بالتكرار، وعن الوعي بالانفعال، وعن الفعل بالتبعية. فالكارثة لا تكمن في الأنظمة وحدها، بل في بنية العقل الجمعي الذي لم يُربَّ على الحرية، ولم يتدرّب على مساءلة الواقع، ولم يتأهّل ليكون فاعلاً في صياغة مصيره.
إن التحوّل من “الشعب” إلى “الجمهور”، كما يشير سيوران، ليس تحوّلاً لغوياً أو دلالياً فحسب، بل هو تحوّل في البنية الأنثروبولوجية والسيكولوجية للمجتمع. فـ”الشعب” مفهومٌ سياسيٌّ وفلسفيّ يتضمن الفاعلية والوعي والمسؤولية، أما “الجمهور” فهو كتلةٌ هلامية منفعلة، قابلة للتوجيه، يسهل تحريكها بأبسط الشعارات وأكثرها سذاجة.
1. البعد الفلسفي: غياب الكوجيتو وولادة الإنسان المُقلِّد
منذ أن صاغ ديكارت عبارته الشهيرة: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”، أصبح الفكر أساس الوجود الإنساني في الفلسفة الحديثة. غير أنّ كثيراً من مجتمعاتنا لم تتبنَّ هذا المبدأ، بل كرّست نقيضه: “أنا أُطيع، إذن أنا في مأمن”. وهنا يولد “الإنسان المستقيل”، ذلك الذي يتنازل عن حقّه في التفكير ليأخذ مكانه داخل قطيع الجمهور.
ومن هذا المنظور، تتحوّل الحرية إلى عبء لا إلى رغبة، ويتحوّل الفكر إلى تهمة، والمفكّر إلى خطر. وبذلك تتكامل البنية السلطوية – الدينية أو السياسية – مع بنيةٍ عقلية جماهيرية ترفض التمرّد، لا خوفاً من العقاب فقط، بل لأن الوعي ذاته لم يُزرع أصلاً.
2. البعد السياسي: الجمهور كأداة للشرعية الزائفة
سياسياً، لا يُبنى الحكم الرشيد على تصفيق الجمهور ولا على لعنه. فالحاكم الذي يستمدّ شرعيته من جموع تهتف باسمه في الساحات هو حاكمٌ هشّ، يمارس طقس السلطة لا مشروعها.
فالجمهور – على عكس الشعب – لا يُسائل ولا يفاوض، بل يُستنهض ويُلقَّن ويُستثمر لحظياً في حملات دعائية، أو يُحرَّك ضد “أعداء متخيَّلين”، أو يُستخدم كدرعٍ بشري لأزمات الأنظمة.
والنتيجة: ديمقراطياتٌ جوفاء، ثوراتٌ مغدورة، وشعوبٌ مشوّهة الهوية؛ كلما طالبت بالكرامة هتف الجمهور ضدها، وكلما نادى مفكّر بالوعي صُوِّر كخائن.
3. البعد الفكري: من ثقافة التساؤل إلى ثقافة التهليل
نحن لا نعيش أزمة أنظمة فحسب، بل أزمة فكر. لا يزال السؤال يُعامل كخطر، والشكّ كبدعة، والنقد كخيانة. لقد تحوّلت المنظومة التعليمية إلى مصنعٍ لإنتاج “صناديق بشرية” مملوءة بالمحفوظات، فارغة من أدوات التحليل. لذلك، حين يُطلب من الجمهور أن يختار، لا يملك إلا خيارين: التصفيق أو اللعن.
لا مساحة للتأمل، ولا قدرة على المقارنة، ولا جرأة على التفكيك.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الجمهور لا يولد كذلك، بل يُصنع. فالإعلام، والتعليم، والدين المؤدلج، والسلطة الاستبدادية، جميعها تعمل على هندسة الوعي الجمعي، لإنتاج جمهور لا يملك إلا أن يطيع، ثم يثور بلا بوصلة، ثم يعود ليصفّق لما ثار عليه بالأمس.
في الختام: من الوعي الفردي إلى ولادة الشعب
إذا كان الفشل في “خلق إنسان يفكّر” هو أصل العلّة، فإن العلاج يبدأ من هناك: من الفرد، من الكائن الوحيد القادر – إذا وعى ذاته – على أن ينقلب على قدره الجماهيري، ويخترق الجدار المفاهيمي الذي فُرض عليه.
نحتاج إلى إنسانٍ ديكارتيّ في عمق التجربة العربية؛ لا يكتفي بأن يكون موجوداً، بل يطالب بأن يكون مفكّراً، ناقداً، حرّاً. عندها فقط يمكن أن نتحوّل من “جمهور” إلى “شعب”، ومن مستهلكي الشعارات إلى صانعي المصير.