موسى وأبو مازن: من جدلية العصا إلى جدلية السلام

بقلم د. صالح الشقباوي

أستاذ محاضر في علم الاجتماع والفلسفة المعاصرة

في التاريخ الإنساني لحظاتٌ تتشابه في البنية الرمزية وإن اختلفت في الزمان والمكان. فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يعيد إنتاج أسئلته الكبرى بأشكال مختلفة. ومن بين هذه الأسئلة سؤال الحرية، وسؤال الأرض، وسؤال التضحية. هنا يمكن قراءة المشهد الفلسطيني المعاصر من خلال استدعاء المشهد الموسوي القديم، لا بوصفه حدثاً دينياً فقط، بل باعتباره نموذجاً فلسفياً للصراع بين الخوف والإرادة، وبين السلام والمقاومة، وبين التردد والفعل.
حين خرج النبي موسى عليه السلام بقومه من ظلم فرعون، لم يكن الخروج مجرد هروب من الاستعباد، بل كان انتقالاً من حالة العبودية إلى مشروع الحرية. لقد عبر البحر ليؤسس وعياً جديداً، وليحوّل الجماعة من كتلة خائفة إلى أمة تمتلك معنى الوجود. لكن المفارقة الكبرى ظهرت عندما اقتربت لحظة الدخول إلى الأرض المقدسة، إذ تراجع القوم أمام فكرة المواجهة، وقالوا لموسى:
“اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون”.
هنا لم تكن الأزمة أزمة سلاح فقط، بل أزمة وعي وإرادة. لقد انتصر الخوف على الحلم، وغلبت الحسابات المادية على المعنى الوجودي للتحرر. فالأرض لا تُستعاد بالرغبة المجردة، بل تحتاج إلى استعداد نفسي وأخلاقي لدفع الثمن.
وفي المشهد الفلسطيني المعاصر، تتجلى صورة أخرى للصراع. فالرئيس محمود عباس، المعروف بأبو مازن، اختار طريق السلام والمفاوضات ورفض الكفاح المسلح، انطلاقاً من قناعة سياسية تقوم على اختلال موازين القوى، وعلى أن الصراع العسكري مع إسرائيل لم يعد قادراً على تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية. لقد حاول نقل القضية الفلسطينية من ميدان البندقية إلى ميدان الدبلوماسية، ومن خطاب الثورة إلى خطاب الدولة.
غير أن الإشكالية الفلسفية هنا تكمن في السؤال التالي:
هل يمكن لشعب يعيش تحت الاحتلال أن يحافظ على معنى القضية دون ثقافة تضحية؟
وهل يتحول السلام، إذا فُصل عن عناصر القوة والكرامة الوطنية، إلى شكل من أشكال إدارة الهزيمة؟
إن الفرق بين موسى وأبو مازن ليس فرقاً بين حق وباطل، بل فرق بين مرحلتين تاريخيتين ومنهجين مختلفين في فهم التحرر. موسى واجه شعباً خائفاً من القتال، بينما يواجه أبو مازن واقعاً دولياً معقداً جعل فكرة المقاومة المسلحة محل جدل داخلي وخارجي. لكن المشترك بين الحالتين هو أزمة الإرادة الجماعية، وأزمة العلاقة بين الحرية والثمن.
في التجربة الموسوية كان الخوف من “القوم الجبارين” سبباً للتيه أربعين عاماً. وفي التجربة الفلسطينية المعاصرة، يبدو أن الخوف من استمرار الصراع، والخشية من انهيار الواقع السياسي، قد دفعا باتجاه فلسفة الصبر الطويل والرهان على المجتمع الدولي. لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تفقد استعدادها للتضحية، تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج المعنى الوطني.
إن الشهادة، في الوعي الوطني الفلسطيني، لم تكن مجرد موت، بل كانت رمزاً أخلاقياً لتحويل الإنسان من كائن خاضع إلى ذات مقاومة. ولذلك فإن إلغاء مفهوم التضحية من الخطاب الوطني يخلق فراغاً رمزياً خطيراً، لأن الأمم لا تعيش بالمفاوضات وحدها، بل تعيش أيضاً بالكرامة والقدرة على الصمود.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال القضية الفلسطينية في ثنائية الحرب أو السلام فقط. فالمعادلة الأعمق تكمن في كيفية الجمع بين الحكمة السياسية وروح المقاومة، وبين العقلانية الاستراتيجية والحفاظ على الوعي الوطني. فالشعب الذي يحمل ذاكرة النكبة والاحتلال لا يستطيع أن يتخلى عن حقه التاريخي، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى قراءة جديدة لموازين القوى وأشكال النضال.
إن موسى في رمزيته التاريخية كان يريد تحرير الإنسان قبل الأرض، بينما يحاول أبو مازن حماية ما تبقى من الأرض عبر مشروع الدولة والسلام. وبين النموذجين يقف الفلسطيني المعاصر حائراً بين ذاكرة الثورة ومنطق الدولة، بين حلم التحرير الكامل وواقع التسويات السياسية.
وهكذا يبقى السؤال معلقاً في الوعي الفلسطيني:
هل يمكن للسلام أن يصنع وطناً دون قوة تحميه؟
وهل تستطيع الأمة أن تحافظ على وجودها إذا تحولت من شعب مستعد للتضحية إلى شعب يخشى دفع ثمن الحرية؟
إنها جدلية التاريخ الفلسطيني المستمرة… من عصا موسى إلى غصن الزيتون، ومن سؤال القتال إلى سؤال البقاء.