زلزالٌ تنظيمي يهزّ المركزية… وفتح تدخل مرحلةً جديدة

بقلم: سامي إبراهيم فودة “أبو الأديب”

لم تكن نتائج انتخابات اللجنة المركزية لحركة فتح مجرد أرقامٍ أُعلنت في ختام أعمال المؤتمر الثامن، بل كانت لحظةً تنظيميةً فارقة أعادت رسم ملامح المشهد الفتحاوي، وكشفت حجم التحولات التي تجري داخل الحركة، بين جيلٍ يحمل إرث الثورة، وجيلٍ جديد يطرق أبواب القيادة بثقةٍ وحضور.
لقد جاءت النتائج لتؤكد أن فتح ما زالت قادرة على تجديد ذاتها، وأن الحركة التي صنعت تاريخ الثورة الفلسطينية لا تزال تمتلك حيوية البقاء، رغم كل ما مرّت به من عواصف سياسية وتنظيمية ووطنية.
وكان المشهد الأبرز في هذه الانتخابات، الصعود القوي لعدد من الأسماء التي حصدت ثقة المؤتمرين، يتقدمهم الأسير القائد مروان البرغوثي الذي تصدّر النتائج، في دلالةٍ واضحة على المكانة الوطنية والتنظيمية التي يحتفظ بها داخل وجدان الحركة وقواعدها.
كما برز حضور اللواء ماجد فرج، والقيادي جبريل الرجوب، وحسين الشيخ، إلى جانب القائد الوطني محمود العالول، واللواء توفيق الطيراوي، في تأكيد على استمرار حضور الخبرة التنظيمية والسياسية داخل مركز القرار الفتحاوي.
وشهدت النتائج كذلك تقدماً لافتاً لعدد من الوجوه الجديدة والفاعلة، من بينهم ليلى غنام، وياسر عباس، وتيسير البرديني، وزكريا الزبيدي، وأحمد أبو هولي، وأحمد حلس، وعدنان غيث، وموسى أبو زيد، ودلال سلامة، ومحمد المدني، وإياد صافي، ومحمد اشتية.
وقد حملت هذه النتائج رسائل سياسية وتنظيمية عديدة، أبرزها أن نسبة التجديد التي بلغت خمسين بالمئة تعبّر عن رغبة واضحة لدى المؤتمرين في إعادة ضخ دماء جديدة داخل اللجنة المركزية، دون إقصاء كامل لجيل المؤسسين والقيادات التاريخية.
وفي المقابل، شكّل خروج أسماء تاريخية من المشهد القيادي رسالةً بأن حركة فتح، مهما تعاظمت فيها الرموز، تبقى حركةً تؤمن بالتداول التنظيمي، وأن الشرعية الحقيقية تُمنح عبر صناديق الاقتراع وثقة الكادر الفتحاوي.
كما سجّلت هذه الانتخابات حضوراً لافتاً للحركة الأسيرة من خلال انتخاب الأسيرين القائدين مروان البرغوثي وتيسير البرديني إلى جانب زكريا الزبيدي، في رسالة وفاء واضحة للأسرى الذين ما زالوا يمثلون ضمير الثورة الفلسطينية الحي.
أما غزة، فرغم ما قدّمته من حضور وعدد من الفائزين، إلا أن تشتت الأصوات ظلّ جرحاً تنظيمياً واضحاً، حرم بعض الكفاءات من فرصٍ أكبر كان يمكن أن تتحقق لو توحدت الإرادة التنظيمية بعيداً عن الاصطفافات الضيقة. ومع ذلك، أثبت أبناء غزة أنهم ما زالوا قادرين على فرض حضورهم داخل أعلى الأطر القيادية للحركة، رغم الحرب والنزوح والدمار.
إن فتح اليوم تقف أمام مرحلة جديدة، عنوانها التوازن بين الخبرة والتجديد، وبين إرث الثورة ومتطلبات المستقبل. وما حدث في المؤتمر الثامن ليس نهاية مرحلة فحسب، بل بداية مرحلة أخرى تحتاج إلى عقلٍ تنظيمي، وروحٍ وحدوية، وإيمانٍ حقيقي بأن فتح أكبر من الأشخاص، وأبقى من المواقع.
كل التحية والتقدير للفائزين، وكل الاحترام لمن لم يحالفهم الحظ، فالجميع أبناء حركةٍ صنعت تاريخ الشعب الفلسطيني المعاصر، وما زالت تحمل مشروعه الوطني رغم كل التحديات.
عاشت حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح…
وعاشت فلسطين…
وستبقى فتح بخير ما بقي فيها رجالٌ ونساء يؤمنون بالفكرة قبل الكرسي، وبالوطن قبل المصالح.