ياسر عباس… بين حق العمل السياسي وإرادة الصندوق

الكاتب : المحامي زيد الايوبي

منذ إعلان فوز الاخ ياسر عباس ابو عمار بعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح في المؤتمر الثامن، سارعت بعض المنابر التابعة لجماعة الإخوان والقوى المضادة إلى تسويق رواية قديمة جديدة، تقوم على تصوير هذه الخطوة باعتبارها تمهيدًا لما يسمونه “توريثًا سياسيًا”، مستندين فقط إلى حقيقة أنه نجل الرئيس محمود عباس .

غير أن هذه الرواية تتجاهل عمدًا طبيعة النظام السياسي والتنظيمي الفلسطيني، القائم على الانتخابات وإرادة الناخبين، لا على القرابة العائلية أو الأسماء الشخصية للقادة الفلسطينيين. فالذي أوصل الاخ ياسر عباس إلى موقعه ليس قرارًا فوقيًا، بل أصوات منحت ثقتها له عبر اقتراع سري شاركت فيه كوادر الحركة، وهي ذات القاعدة التي تملك دائمًا حق منح الثقة أو حجبها.

ولو كان اسم العائلة وحده كافيًا لحسم النتائج، لكان شقيقه طارق عباس قد فاز قبل سنوات في انتخابات رئاسة نادي الامعري ، إلا أن الناخبين اختاروا يومها اتجاهًا مختلفًا، في مشهد يؤكد أن الفلسطيني لا يصوّت تحت تأثير الاسم والنفوذ السياسي، بل وفق قناعته وإرادته.

وفي الحقيقة، لا يوجد في فلسطين أي أساس قانوني أو تنظيمي لفكرة “التوريث السياسي” التي يحاول البعض تسويقها. فالمواقع السياسية والتنظيمية لا تُمنح بالوراثة، وإنما تُنتزع عبر الحضور والعمل وثقة القواعد. كما أن انتماء أي شخص لعائلة سياسية لا يعني سلبه حقه الطبيعي في الانخراط بالحياة الوطنية، وإلا تحولت الديمقراطية إلى أداة إقصاء بدل أن تكون مساحة لتكافؤ الفرص.

وخلال السنوات الماضية، استطاع الاخ ياسر عباس أن يترك صورة مختلفة لدى كثير من أبناء الحركة، من خلال شخصيته البسيطة، الهادئة، والقريبة من الكادر الفتحاوي، بعيدًا عن التعقيد أو الانغلاق. وقد ساهم هذا الانفتاح في خلق حالة من القبول لدى شرائح واسعة من كوادر فتح اذ ترى فيه شخصية جامعة قادرة على المساهمة في تفعيل الأطر التنظيمية وإعادة الحيوية للحياة الفتحاوية، عبر إشراك الجميع وفتح الأبواب أمام الطاقات والكفاءات الحركية ،

ولعل من أكثر اللحظات التي حملت دلالة وطنية عميقة، ذلك المقطع المصور الذي ظهر فيه الاخ ياسر عباس وهو يقول: “سأعود إلى صفد يومًا ما”. فهذه العبارة لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل تعبيرًا صادقًا عن تمسك الفلسطيني، مهما كان موقعه، بحق العودة والارتباط بالجذور والذاكرة الوطنية. كما أنها حملت رسالة مهمة بأن أبناء القيادات ليسوا منفصلين عن وجدان شعبهم ولا عن الحلم الفلسطيني الممتد من المخيم حتى المدن المحتلة.

إن الاختلاف السياسي حق مشروع، والنقد جزء طبيعي من أي حياة سياسية صحية، لكن تحويل القرابة العائلية إلى تهمة جاهزة فهذا لا يخدم الديمقراطية ولا يحترم إرادة الناس. لان المعيار الحقيقي يجب أن يبقى مرتبطًا بقدرة الشخص على العطاء، وحضوره بين أبناء الحركة، ومدى امتلاكه رؤية تنظيمية تساهم في خدمة اهداف حركة فتح والمشروع الوطني الفلسطيني.

وفي النهاية، تبقى الكلمة الفصل دائمًا للصندوق، وتبقى إرادة أبناء فتح هي صاحبة القرار، لا الحملات الإعلامية ولا الأحكام المسبقة.