تسعى العديد من الدول إلى إنشاء كياناتٍ سياسية بديلة من كياناتٍ سابقةٍ راسخة، تمتلك برامجها السياسية والاقتصادية والأمنية؛ لذا يكون إنشاء الحزب السياسي تنظيماً اجتماعياً دائماً، قائماً على مبادئ وأهداف مشتركة، بهدف الوصول إلى السلطة. ويضمّ هذا الحزب مجموعةً بشريةً متجانسةً في أفكارها ومفاهيمها، ويمارس مختلف النشاطات السياسية وفق برنامجٍ عامٍّ متوافقٍ عليه، لتحقيق أهدافه وتوسيع قاعدته الشعبية على المستويات المحلية والوطنية والدولية.
وتنشأ هذه الأحزاب، في كثيرٍ من الأحيان، بطلبٍ أو دعمٍ من دولٍ كبرى حديثة في الغرب الأوروبي والأمريكي؛ وذلك انطلاقاً من رؤيتها تجاه بعض الأنظمة السياسية في العالم، باعتبار أنّ تلك الأنظمة ينبغي أن تتغيّر. وهكذا باتت أنظمةٌ سياسيةٌ ذات حضورٍ ودورٍ بين الدول تُصنع بفعل فاعلٍ سياسيٍّ جديد، مبرمجٍ عبر خططٍ محددة، ومدعومٍ بالمال والإعلام، بوصفه السلطة الرابعة ذات الدور الخطير في غسل العقول وتبديل الأفكار والآراء والمفاهيم، بديلاً من الأحزاب والقوى السياسية التقليدية.
لقد تعرّضت دولٌ صغرى من عالم الجنوب، أي من جنوب الكرة الأرضية بحسب التقسيم الغربي، وفي سياق عولمةٍ مسلّحةٍ متوحّشة، إلى عملياتٍ متعدّدة من التفكيك والتقسيم والتفتيت، أسفرت عن إنجاب أنظمةٍ وكياناتٍ سياسيةٍ فسيفسائية التكوين، مناطقيةٍ وعصبويّة، تفتقر إلى الحدّ الأدنى من التمثيل الوطني الجامع للشعب، وتتعثّر في تمثيلٍ جهويٍّ وفئويٍّ أهليٍّ متنافرٍ ومتناقض المكوّنات.
ولقد كانت هذه البُنى السياسية كافيةً لجعل تلك الدول مستباحةَ السيادة، وفاقدةً للحضور الفاعل والإيجابي في العالم. كما أنّ النظام القائم على هذا التعدّد الفسيفسائي المتنافر والمختلف يُهيّئ، في داخله الاجتماعي والسياسي والثقافي، جميع الأسباب اللازمة لتوليد أزماتٍ متعاقبة، وصراعاتٍ ونزاعاتٍ متتالية، تعجز القوى ذات المصالح عن حلّها، بل تتحوّل إلى وقودٍ دائم لإشعال الفتن والحروب الأهلية المدمّرة، على حصص المكوّنات في الإدارة والسلطة والثروة، أو فيها جميعاً.
ولم يكن تفكيك الدول والأنظمة والكيانات القائمة سياسةً جديدةً تماماً؛ فقد بدأ ذلك في بلدان الاتحاد السوفييتي الاشتراكي السابق قبل نحو ثلاثين عاماً، فأذهب وحدة كياناتٍ كانت بمثابة قطبٍ دولي، مثل الاتحاد السوفييتي، وتشيكوسلوفاكيا، ويوغوسلافيا، ثم صربيا، لينتقل الأمر، بعد ذلك، إلى بلدان جنوب الكرة الأرضية متّخذاً أشكالاً أخرى.
ولعلّ الفارق بين الحالتين أنّ التفكيك في شرق أوروبا ووسطها وروسيا اتّخذ شكل تمزيق الوحدة الكيانية عبر عمليات الانفصال القومي للقوميات الصغرى عن المركز والكيان، فيما اتّخذ، في بلدان الجنوب، مساراً آخر تمثّل في تدمير الدولة القائمة وتفتيتها، وإعادة تشكيل سلطةٍ مرقّعةٍ من أمشاجٍ أهليةٍ عصبويّة، قبليةٍ وعشائريةٍ وطائفيةٍ ومذهبية، على غرار ما جرى في خارطة الهندسة السياسية الكولونيالية الجديدة للنظام السياسي في دولٍ عدّة، مثل أفغانستان والعراق بعد الغزو الأمريكي في بداية القرن الحالي.
إنّ عملية تغيير الأنظمة حملت مصطلح «الثورات الملوّنة»، التي اعتمدت على الحركات الجماهيرية والعصيان المدني، والحركات المطلبية التي غالباً ما رافقتها أعمال شغب، في بعض الدول المناوئة للغرب، ولا سيّما في الدول الشيوعية السابقة في شرق ووسط أوروبا ووسط آسيا، إضافةً إلى إيران ولبنان في بدايات القرن الحادي والعشرين. وقد استخدمت الجماهير المشاركة في تلك الثورات وسائل المقاومة السلمية والمظاهرات والاحتجاجات، مع اعتماد شالٍ أو وشاحٍ ذي لونٍ محدّد، أو زهرةٍ معيّنة، رمزاً للحراك.
ومن تلك التسميات: «ثورة الزهور» أو «الثورة الوردية» في جورجيا، و«الثورة البرتقالية» في أوكرانيا، و«ثورة الزنبق» أو «ثورة التوليب» في قيرغيزيا، و«ثورة الأرز» في لبنان. كما أُطلق اسم «الثورة الزرقاء» عام 2005 على المطالبة بمشاركة المرأة في الحياة السياسية في الكويت، فيما أُطلق اسم «ثورة الزعفران» على تحرّكات المعارضة في بورما (ميانمار) عام 2007. وأُطلق كذلك اسم «الثورة القرمزية» على أحداث الشغب التي شهدتها التيبت عام 2008.
لقد فشلت المخططات التي رسمتها الهندسة السياسية الكولونيالية الجديدة في سورية، كما فشلت مشاريع مشابهة طُرحت عبر بعض المبادرات الدولية المرتبطة بإدارة الأزمة السورية. ولعلّ هذه المشاريع تطلّ برأسها من جديد في كثيرٍ من الطروحات الغربية المتعلّقة بتسوية الأزمة الليبية.
أمّا الحالتان الوحيدتان اللتان نجحتا في تفكيك دول الجنوب عبر مشاريع الانفصال، فكانتا في إندونيسيا، التي انفصلت عنها تيمور الشرقية لتصبح دولةً مستقلة باسم «جمهورية تيمور الشرقية الديمقراطية» عام 1999، وفي السودان، الذي تحوّل إلى كيانين: السودان وجمهورية جنوب السودان عام 2011.
وفي جميع الأحوال، وأيّاً تكن الأشكال التي تتّخذها عمليات التفتيت والتفكيك في بلدان الجنوب، فإنّ تشجيع الانفصال والانقسام، أو هندسة نظامٍ سياسيٍّ كولونياليٍّ انقساميّ، ليس تفصيلاً عابراً؛ إذ إنّ هذا التفكيك لم يمسّ من بلدان الجنوب إلا تلك الواقعة في الدائرتين العربية والإسلامية على وجه الخصوص.
لقد أطلق العديد من الباحثين على هذه العمليات اسم «الأنثروبولوجيا السياسية للتفكيك»، وهي تقوم على مفهوم النظام لا على مفهوم الشعب. وهذا ما بدا واضحاً في تجارب بناء الدولة وتكوين السلطة وهيمنتها، حيث أُسّست في كثيرٍ من الأحيان على مفهوم الجماعات الصغرى الفرعية، كالعشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب والإثنية، وهي في حقيقتها وحداتٌ اجتماعيةٌ صغرى تعيش داخل الجماعة الكبرى، أي الشعب.
ومن هنا جاءت عملية التفكيك الأنثروبولوجية السياسية عبر تفكيك الشعب، بوصفه جماعةً وطنيةً جامعة، إلى جماعاتٍ عصبويةٍ محلية وأهلية، بهدف إعادة إنتاج سلطةٍ جديدةٍ غريبةٍ عن مفهوم الشخصية الوطنية الجامعة. وقد مورست تلك العمليات باسم حقوق الإنسان، لكنها في جوهرها كانت دفاعاً عن «حقوق» الجماعات العصبوية في التمثيل السياسي والضمانات الدستورية، وكأنّ هذه الجماعات شعوبٌ مستقلة لا مكوّنات محلية داخل الشعب الواحد.
والمثال الواضح على ذلك، في دائرتنا العربية والإسلامية، هو ما جرى في أفغانستان بعد الاحتلال الأمريكي، حيث أُقيم النظام السياسي على أساس المحاصصة بين العصبيات. وكذلك العراق، الذي خضع نظامه السياسي لبنيةٍ طائفيةٍ مذهبيةٍ وإثنية، كرّسها الاحتلال الأمريكي، وجسّدها الدستور العراقي الذي أشرف على صياغته بول بريمر، المعيّن من قبل الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن رئيساً للإدارة المدنية في العراق عام 2003.
كما جرى تطبيق نظام «الكوتا» في دولٍ عديدة حول العالم، منها الهند وإندونيسيا وباكستان، وفي بعض الدول الإفريقية مثل جنوب إفريقيا وموزمبيق، وفي دولٍ أوروبية مثل السويد وبلجيكا، إضافةً إلى عددٍ من الدول العربية كالعراق والأردن وفلسطين والمغرب ومصر.
فأيُّ نظامٍ سياسيٍّ يمكن أن يستقرّ إذا كان قائماً على المحاصصة بين القبائل والعشائر والطوائف والمذاهب والإثنيات، لا على تمثيل الجماعة الوطنية الجامعة؟ إنّه نظام التفتيت والتقسيم والتفرقة، الذي يستبدل الانتماء الوطني الجامع بولاءاتٍ ضيقةٍ للعصبيات والطوائف والمذاهب والإثنيات.
إنّه ليس دولةً حقيقية، ولا نظاماً وطنياً متماسكاً، بل بنيةٌ هشّةٌ تُنتج جماعاتٍ متنازعة، تتسم بالعصبوية والشعبوية، وتنخرط بسهولة في الحروب والمنازعات، بعد إشاعة الفتن وتأجيج الانقسامات، بما يؤهّل لاندلاع حروبٍ أهليةٍ طاحنة، تعيد الدولة إلى ما قبل مفهوم الدولة ذاته.
ولعلّ المثال الأبرز على ذلك ما جرى في الصومال، حين أُحيلت الدولة إلى حالة «ما قبل الدولة»، حتى شاع مصطلح «الصوملة» للدلالة على الانهيار الشامل لمؤسسات الدولة وتفكك المجتمع. وهو السيناريو الذي لوّحت به الولايات المتحدة الأمريكية وعددٌ من دول الاتحاد الأوروبي تجاه بعض الدول العربية ودول الشرق الأوسط.







