باحث في العلاقات الدولية
مع اندلاع العدوان الإسرائيلي–الأمريكي على إيران في 28 شباط/فبراير، بدا واضحاً أن تماسك التحالف بين واشنطن وتل أبيب يخفي وراءه تباينات أعمق تتصل بطبيعة الأهداف وحدود الخيارات الاستراتيجية لكل طرف. ومع أن التصعيد العسكري في أسابيعه الأولى عكس مستوى عالياً من التنسيق السياسي والأمني، إلا أن الانتقال التدريجي لاحقاً نحو إعادة تنشيط المسار الدبلوماسي كشف بصورة أكثر وضوحاً اتساع الشقوق بين رؤية ترامب وخيالات نتنياهو، سواء فيما يتعلق بتحديد الأهداف النهائية للحرب، أو تعريف خطوطها الحمراء، وحتى في تصور حدود التسوية الممكنة وحدود الحل المقبول لانهاء الصراع.
من وجهة النظر الاسرائيلية، ينظر نتنياهو إلى الحرب باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الشرق الاوسط، عبر توجيه ضربة قاصمة للمشروع الإيراني، ليس فقط على المستوى النووي او الصاروخي، بل على مستوى النفوذ الإقليمي وشبكات الحلفاء الممتدة من لبنان إلى العراق واليمن وقطاع غزة. بالنسبة لنتنياهو، لم تكن الحرب مجرد عملية ردع مؤقتة، بل مشروعاً كاملاً لإعادة هندسة ميزان القوى في المنطقة تكون بدايته من طهران؛ بما يضمن تفوق وهيمنة إسرائيل لعقود اضافية قادمة على مجموع دول المنطقة.
على هذا النحو، سعت إسرائيل منذ البداية إلى دفع واشنطن نحو تبني استراتيجية “الحسم الشامل”، التي تقوم على تدمير البنية التحتية؛ الاقتصادية والعسكرية والامنية الإيرانية، بما يشمل اغتيال قادة الصف الاول والثاني السياسيين والعسكريين، تحطيم القدرات الصاروخية، إنهاء الملف النووي بشكل كامل وللأبد. وقد عبّر نتنياهو بوضوح عن هذه الرؤية عندما أكد أن “إسرائيل لن تسمح لإيران أبداً بامتلاك سلاح نووي”، وأن تل أبيب “ستحتفظ بحرية العمل العسكري ضد أي تهديد”.
في المقابل، وعلى الرغم من تشدد ترامب في تصريحاته وتهديده المباشر “بإبادة حضارة بكاملها” من على وجه الارض، الا ان مواقفه كانت حذرة جداً وأقل اندفاعاً نحو حرب مفتوحة لا يمكن التنبؤ بحدودها. ترامب، الذي دخل المواجهة تحت ضغط نتنياهو ولوبيات المصالح الداعمة لاسرائيل، وإغراءات غزوة فنزويلا، بالإضافة الى سعيه المحموم لتخليد ارثه عبر وضع بصمته الخاصة على اتفاق نووي جديد ينهي ارث اوباما 2015، لم يكن معنيّاً بتكرار نموذج الحروب الأمريكية الطويلة في العالم، بقدر ما كان يعتقد ان استخدام الدبلوماسية القسرية ستدفع طهران للتوقيع على اتفاق جديد بشروط أكثر صرامة من الاتفاق النووي السابق؛ الامر الذي لم يتحقق رغم 40 يوماً من القصف المتواصل.
هنا بدأت تتكشف الفجوة الجوهرية بين الحليفين؛ نتنياهو يريد “إنهاء التهديد الإيراني” بمعنى إسقاط الدولة الايرانية وتدمير جيشها والعمل على تفتيتها جغرافياً وطائفياً من الداخل على غرار العراق؛ سوريا؛ البلقان…، بينما عدل ترامب رؤيته نحو “إدارة التهديد الإيراني واحتواءه” ضمن توازنات يمكن التحكم بها سياسياً، اقتصادياً وامنياً، وفقاً للنموذج الفنزويلي. هذا التباين لم يكن مجرد اختلاف تكتيكي، بل يعكس اختلافاً عميقاً في اسباب الحرب ونهج استخدام القوة. فإسرائيل، بحكم موقعها الجغرافي وطبيعة عقيدتها الأمنية العدوانية، تنظر إلى إيران كما كل دول العالم العربي باعتبارهم تهديداً وجودياً طويل الأمد، ولذلك تميل إلى خيار حرب الاستنزاف المفتوحة وسياسة “الضربة الاستباقية” لإنهاك الخصم وحرمانه من امتلاك أي قدرة استراتيجية مستقبلية. أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى الملف الإيراني ضمن شبكة أوسع من الحسابات الدولية، تشمل سلاسل الامداد وأسعار الطاقة، العلاقة مع الصين وروسيا، خسائر الاقتصاد الأمريكي، والانعكاسات السياسية الداخلية.
في الواقع، ومع انتقال الحرب تدريجياً من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مرحلة التفاوض عبر الوسيط الباكستاني، بدأت الشقوق في الرؤى تتسع بصورة أكبر. بينما بدأت واشنطن ترسل إشارات حول إمكانية التوصل إلى تفاهم اولي “مذكرة تفاهم” مع إيران يشمل وقف إطلاق النار، إعادة فتح مضيق هرمز، وملف التخصيب النووي، بدأ الوميض الاحمر يضيء في تل ابيب. إعلان الوسيط الباكستاني عن وجود مذكرة تفاهم متبلورة بين الطرفين عكس دلالة عميقة، جوهرها أن ترامب بات مقتنعاً ان احتواء الحرب أولوية تفوق خيار توسيعها او على الاقل تعادلها 50-50%. كما عكس الإعلان وجود قناعة أمريكية متزايدة بأن استمرار المواجهة المفتوحة قد يؤدي إلى تداعيات تتجاوز قدرة جميع الأطراف على التحكم بها، خاصة بعد أزمة مضيق هرمز وارتفاع المخاوف من انهيار أمن الطاقة العالمي.
هذا المسار التفاوضي -الذي استبعد فيه ترامب إسرائيل الى حد ما، أربك حسابات نتنياهو ووضعه أمام خيارات صعبة. من جهة، لا تستطيع إسرائيل الاصطدام المباشر بإرادة ترامب أو الظهور العلني بمظهر من يعطل الجهود الدبلوماسية، ومن جهة أخرى، تخشى حكومة اليمين المتطرف ألا يتضمن الاتفاق النهائي شرط تفكيك كامل للبرنامج النووي والصاروخي الإيراني؛ الامر الذي يؤدي إلى ترسيخ مكانة إيران كقوة إقليمية معترف بها، تمتلك قدرات ردع متطورة تعزز نفوذها الاستراتيجي في المنطقة؛ وقادرة على ردع اسرائيل.
لذلك، وفي اول جهودها التخريبية لمسار المفاوضات صعدت اسرائيل عدوانها على لبنان بشكل مكثف. وحرص نتنياهو على التأكيد أن أي وقف لإطلاق النار مع إيران لا يجب ان يشمل لبنان ولا أي جبهة صراع اخرى؛ وان جيشه يمتلك حق الرد على ما يسميه “تهديدات لأمن اسرائيل”، في إشارة إلى رغبته في الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية ضد حزب الله حتى في حال إعلان مذكرة التفاهم. وهنا تتكشف نقطة خلاف اضافية بين ترامب ونتنياهو؛ فالإدارة الأمريكية باتت ترى أن الذهاب الى تهدئة شاملة في الاقليم تخدم المصالح الأمريكية، بينما ترى إسرائيل أن التهدئة التي تقيد هجماتها سوف تمنح خصومها فرصة لإعادة بناء قدراتهم العسكرية والسياسية؛ وبالتالي فهي غير مستعدة للالتزام بها أو القبول بمقتضياته السياسية والاستراتيجية.
الحرب على إيران لم تكشف عن حدود القوة العسكرية في الشرق الأوسط وتأثيرها فقط، بل كشفت أيضاً حدود التحالف الأمريكي–الإسرائيلي نفسه. وعلى الرغم من استمرار التنسيق الوثيق بين واشنطن وتل أبيب والتفاخر بالعلاقة غير القابلة للكسر، أظهرت الحرب أن المصالح الاستراتيجية للطرفين ليست متطابقة دائماً. عند هذه النقطة، يمكن القول إن الفجوة بين ترامب ونتنياهو لم تكن خلافاً عابراً حول استراتيجية التفاوض، بل تعبيراً عن رؤيتين مختلفتين لمستقبل الشرق الأوسط: رؤية أمريكية باتت مقتنعة انه لا يمكن الحاق هزيمة استراتيجية بإيران؛ وان المطلوب الانتقال سريعاً الى طاولة المفاوضات قبل الانفجار الكبير، ورؤية إسرائيلية تقوم على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بالقوة العسكرية، ومنع الخصوم من امتلاك أي قدرات استراتيجية قد تهدد التفوق الإسرائيلي القائم.
في هذا السياق، ورغم الطابع المؤسسي والاستراتيجي الذي يحكم العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بما يجعلها أقل تأثراً بالتباينات الظرفية بين القيادات السياسية، فإن مستقبل أي اتفاق دائم بين واشنطن وطهران لن يتحدد فقط بنتائج المفاوضات الثنائية ومخرجاتها التقنية والسياسية، بل سيتوقف كذلك على قدرة الإدارة الأمريكية على احتواء السلوك الإسرائيلي؛ ومنع تحوّل التباينات في الاهداف بين ترامب ونتنياهو إلى عامل تصعيدي يدفع المنطقة نحو مستويات جديدة من التوتر وعدم الاستقرار، ويُبقي المشهد الإقليمي في حالة انفجار مفتوح.





