يأتي العيد كل عام محمّلًا بما هو أكبر من التهاني وأوسع من مظاهر الفرح. يأتي ليوقظ فينا شيئًا قديمًا يسكن القلب، ويعيد ترتيب المشاعر التي بعثرتها الأيام بين قربٍ نشتاق إليه، وبُعدٍ نتألم له.
في العيد، يفرح القريب لأنه يرى أحبابه حوله، وتفرح البيوت بأصوات أبنائها وضحكات أطفالها. لكن العيد لا يزور القريب وحده، بل يذهب أيضًا إلى البعيد؛ إلى من فرّقتهم المسافات، وإلى من حالت الظروف بينهم وبين من يحبون، وإلى الذين يكتفون بصورة أو اتصال أو ذكرى يحملونها في قلوبهم كأنها كنز لا يفنى.
في فلسطين، للعيد حكاية مختلفة. فهو يمرّ على المدن والقرى والمخيمات، ويطرق أبواب الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، ويزور بيوت الأسرى الذين يعلّمون العالم أن الحرية تبدأ من الروح، ويقف بخشوع أمام صور الشهداء الذين غابوا عن موائد العيد لكنهم بقوا حاضرين في الوجدان، ويصافح الجرحى الذين دفعوا من أجسادهم ثمنًا للحلم والوطن.
العيد هنا ليس مناسبة للنسيان، بل مناسبة للتذكّر الجميل. نتذكّر من رحلوا فنزداد وفاءً، ونتذكّر من ينتظرون فنزداد صبرًا، ونتذكّر أن هذا الشعب، رغم كل ما مرّ عليه من محنٍ وأوجاع، ما زال قادرًا على صناعة الفرح من قلب التعب، والأمل من بين الركام.
وفي زمنٍ كثرت فيه الخلافات وتباعدت فيه القلوب، يبقى العيد دعوة مفتوحة للمحبة. دعوة لأن نخفف قسوة الكلمات، وأن نمدّ أيدينا لبعضنا البعض، وأن نتذكر أن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا. فالأوطان لا تُبنى بالخصومات، بل بالمحبة، ولا تقوى بالانقسام، بل بوحدة القلوب قبل وحدة المواقف.
وفي هذا العيد، لعل أجمل ما نهديه لبعضنا ليس المال ولا الهدايا، بل كلمة طيبة، وموقف نبيل، ورسالة محبة، ودعاء صادق لمن نحب. فبعض الهدايا لا تُشترى، بل تُولد من نقاء القلوب.
كل عام وفلسطين في القلب.
كل عام والقدس أقرب إلى الحرية.
كل عام وأسرانا إلى فجرٍ يليق بصبرهم.
كل عام وجرحانا إلى شفاء.
وكل عام وشعبنا العظيم أكثر قدرة على تحويل الألم إلى قوة، والانتظار إلى أمل، والحلم إلى حقيقة.
عيدكم محبة، وعيدكم وطن، وعيدكم فرح لا تغيبه المسافات، ولا تنطفئ أنواره مهما طال الطريق.






