من قصص البطولات والتضحية أحمد أبو خضر السويطي

بقلم // عصري فياض

في ثلاثينيات القرن الماضي،وعلى السفوح الغربية لجبال الكرمل المحاذية لمدينة حيفا،وتحديدا في المنطقة الواقعة غربي بلدة عسفيا الفلسطينية،عاشت عائلات بدوية تعمل في تربية الماشية من أغنام وأبقار، تنتسب معظمها لقبيلة “السويطات”…،أحمد خضر السويطي كان احد أبنائها ،شاب يافع متوقد بالحيوية،حنطيّ البشرة،يتوسط وجهه شارب مبرم،يلمع في عينيه حب الحياة،صوته جهوريّ،دائم الابتسامة،كان يرعى عجالاً من البقر في تلك السفوح…،كانت تتهادى إلى مسامعه أخبار ما يجري في فلسطين على يد قوات الاحتلال البريطاني،وأخبار قوافل اليهود التي بدأت تأتي إلى فلسطين بعد وعد بلفور،.. فكر عميقا،وقرر النزول إلى مدينة حيفا، للبحث هناك عن عناصر الثورة لعله يلتحق بهم، ويشفي غله على ما يجري لشعبه.
***
مقاهي حيفا تزدحم بالرواد، فهي ملتقى الأصحاب، ومكان البحث عن طلب العمل،وقضاء الوقت،وكذلك فيها عيون تبحث عن الطاقات الشابة، التي من الممكن أن تفعل شيئا للذود عن وطنها، ،ولا تنفض طوائل المقاهي الإ وقت الصلاة، وفي ساعات المتأخرة من الليل،أحمد تعرف على شاب يكبره بالعمر بعدة سنين، لم يصعب على ذلك الشاب فهم ما يريده أحمد…، إرتفع آذن الظهر
قال له الشاب : هيا انهض معي..
دخل احمد برفقة الشاب إلى المسجد، توضأ معا،وصليا خلف ذلك الشيخ الجليل، وبعد أن فرغت الصلاة، أخذ الشاب بيد أحمد وتقدم نحو إلإمام على انفراد، وقال الشاب: شيخنا العزيز عز الدين.. هذا شاب يريد الجهاد…فيه كل ما تبحثون عنه….
قال الشيخ بعد أن تصفح وجه أحمد ورتب على كتفيه :- ما شاء الله تبارك الله… خذه يا بني عند الحاج عطية ……
*
كانت رحلة الجهاد الأخيرة للقسام،من تخوم حيفا إلى أحراش يعبد طويلة المسار،من حيفا، إلى نورس في الشمال الغربي،إلى جلبون غرب جنين، إلى سهول قباطية،إلى أحراش يعبد…،العدد المرافق للقسام من المجاهدين يزيد على المئتي مجاهد يحملون السلاح والذخيرة، وبعد أن استقروا في أحراش يعبد لعدة أيام ،باغتهم هجوم واسع شرس من القوات الاحتلال البريطاني،مدرعات ومشاة وطيران، كانت معركة حامية الوطيس،كان لاستشهاد القسام فيها اثر في نفوس من تبقى من المجاهدين،فحمل أمانة القيادة بعده الحاج عطية،الذي أمر مقاتليه بالانسحاب إلى محيط بلدة اليامون.
ساعات كان من تبقى من المجاهدين قد وصلوا إلى محيط بلدة اليامون،استراحوا هناك بين أشجار زيتونها لبعض الوقت بعد أن أضانهم التعب، وأخذوا يحصون أعداد شهدائهم ،ويعالجون جرحاهم، ويفكرون في الخطوة التالية بعد استشهاد القائد الشيخ عز الدين القسام، وفي صبيحة اليوم التالي، تعرض الجمع الثائر لحصار من قوات الاحتلال البريطاني،برتل طويل من الآليات القادمة من حيفا، أوله كان أمام باب اليامون وأخره عند فرق اللجون،أي على إمتداد مسافة 6 كم،فاندلعت معركة أخرى لا تختلف عن معركة أحراش يعبد من حيث الشدة والضراوة، وبعد ساعات من المعركة الضارية، تفرقت جموع المجاهدين، وأصيب أحمد برصاصة في بطنة فتحت جرحا أخرج أمعاءه خارج جسمه ،فخلع كوفيته التي كان يعتمرها، ولف بها بطنه بعد أن أعاد أمعاءه المتدلية إلى داخل بطنه، وركض في أكثر من اتجاه حتى لا يقع أسيرا بين يديّ الجنود البريطانيين الذين يقتربون منه شيئا فشيا، لحظات بين الحياة والموت، فجاءه اكتشف بئرا فارغا بعمق نحو ثلاثة أمتار في المكان،فقز فيه حتى توارى عنهم.
***
بألم حاد وجرح عميق، أمضي يومين وليليتين في البئر لم يذق فيها لا نوما ولا طعاما ولا شرابا، وبعد أن هدأت المعركة.. ، وفي صباح اليوم الثالث، حضر إلى المكان صاحب الأرض،وهو مختار اليامون في تلك الفترة، وكان رجل مناضل له علاقة بمجموعات ” الكف الأسود “، إحدى مجموعات النضال الفلسطيني التي كان مقر قيادتها في دمشق، ولها فروع تقاتل في فلسطين، هذا الرجل جاء لتفقد اثار المعركة،والبحث عن جثة شهيد هنا، أو جريح هناك، أحس أحمد بحركة في المكان، فأخذ ينادي طالبا النجدة.. يرفع صوته بقدر ما يستطيع رغم جرحه، إلتفت المختار للصوت ، حدد مصدره ،وإقترب من البئر، فنظر فيه ،فرأى احمد،
فسأله:- من أنت؟
فرد احمد :- أرجوك أنقذني أنا جريح
فقال له : انتظر قليلا
ذهب المختار مسرعا إلى احد المنازل القريبة، وأحضر معه حبلا غليظا ورجلا من ذلك المنزل ودلى الحبل في البئر ، فربط احمد وسطه المجروح به بإحكام، واخذ المختار والرجل بشد الحبل للأعلى بعناء حتى تمكنا من إخراجه من البئر، وعجلا في نقله إلى بيت المختار، والشروع بعلاج جرحه بالعلاج العشبي والوصفات الشعبية.
قام المختار ومنذ اليوم الأول من وجود أحمد في ضيافته، بإرسال مرسال عاجل لقيادة “الكف الأسود “في دمشق حول حالة الجريح أحمد، وبعد أسبوع، حضرت من الشام سيارة جب عسكرية إلى اليامون، وقامت بنقل الجريح أحمد إلى مشافي الشام، عبر طريق بيسان ثم إلى طبريا ثم إلى سمخ إلى القنيطرة فدمشق، وبعد علاج دام شهر، عاد أحمد أبو خضر إلى جبال الكرمل، ليلتحق بالثائرين من جديد