في السياسة، ليست كل العلاقات تُبنى على عقود واضحة أو شراكات مكتملة الأركان. بعض العلاقات تتشكل مع الزمن، تُدار بالتفاهمات وتستمر بالقوة نفسها التي تستمدها من غياب البدائل لا من وضوح الأسس.
وهكذا، وبهدوء شديد يشبه الاعتياد، ترسخت العلاقة بين الحكومة الفلسطينية والمواطن الفلسطيني على هيئة “زواج عرفي” طويل الأمد: علاقة قائمة في الواقع، لكنها دائمًا مؤجلة في التعريف ومفتوحة في التفسير وغامضة في حدود الحقوق والواجبات.
ليس لأن أحدًا لا يعرف… بل لأن الجميع يعرف، لكن الجميع يتصرف وكأن المعرفة وحدها كافية.
في العلاقات الطبيعية، هناك عقد واضح: مسؤوليات والتزامات ومحاسبة.
أما هنا، فالعقد الحقيقي هو “إدارة الأزمة”، وكل ما عداه تفاصيل قابلة للتأجيل إلى مرحلة أكثر ملاءمة… لا تأتي غالبًا.
كل شيء هنا قابل للتفسير أكثر من الحل:
الأزمة المالية تُشرح
والعجز يُشرح
والتأخير يُشرح
حتى أصبح الشرح نفسه سياسة عامة، والحل مجرد احتمال نظري.
وهذا ليس تفصيلًا لغويًا… بل بنية حكم كاملة.
المواطن الفلسطيني، عبر السنوات لم يعد مجرد متأثر بالواقع، بل أصبح جزءًا من آلية تشغيله:
يدفع ما يمكن ويتحمل ما لا يمكن ويتوقع ما لا يُحتمل… ثم يُطلب منه أن يستمر في الدور نفسه بثبات أكبر، لأن “الظرف دقيق”.
أما الحكومة، فتدير المشهد بمنطق ثابت لا يتغير:
بيانات جاهزة
وأعذار ذات صلاحية طويلة
ومفردات أصبحت جزءًا من الوعي الجمعي: “الأزمة”، “الظروف”، “الاحتلال”، “المرحلة”.
كلمات صحيحة في أصلها، لكنها حين تتحول إلى تفسير دائم لكل شيء… تفقد قدرتها على التفسير أصلًا وتتحول إلى نظام إداري قائم بذاته.
وفي هذه المعادلة، لم يعد المواطن يسأل “متى ينتهي هذا؟”
بل أصبح السؤال الأكثر واقعية: “كيف نعيش داخل هذا دون أن ننهار بالكامل؟”
فالراتب لم يعد راتبًا… بل نسبة غير مستقرة من الحياة.
والتنمية ليست مسارًا… بل عنوانًا محفوظًا في الأدراج.
والإصلاح الإداري ليس إصلاحًا… بل حركة دائمة داخل نفس الدائرة.
أما الأخطر، فهو أن هذا الواقع لم يعد يُدار كأزمة… بل كـ”وضع طبيعي مؤقت طويل جدًا”.
المواطن الفلسطيني، في المقابل، تطوّر إلى نموذج غير معلن في علم الاجتماع السياسي: القدرة على التعايش مع اللااستقرار دون أن يعلن انهياره.
وهذا بحد ذاته ليس بطولة فقط… بل مؤشر على أن النظام نفسه أصبح يعتمد على هذا التكيف كجزء من استمراريته.
وفي الدول الطبيعية، تُقاس الحكومات بقدرتها على تقليل هامش المفاجأة في حياة الناس.
أما هنا، فجزء من الاستقرار نفسه يقوم على بقاء المفاجأة كعنصر دائم.
ومع ذلك، يبقى الفلسطيني متمسكًا بفكرته الكبرى: الدولة والمؤسسة والمعنى الوطني.
ليس لأن الواقع مريح، بل لأن البديل أكثر فوضوية.
لكن هذا التمسك، مع الوقت، لم يعد فقط خيارًا سياسيًا… بل حالة استنزاف طويلة تُمارس بصمت.
المشكلة لم تعد في الأزمة نفسها، بل في طريقة إدارتها التي جعلت الاستثناء قاعدة والانتظار نظامًا والتأجيل أسلوب حكم.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: من المسؤول؟
بل: كيف تحولت العلاقة كلها إلى نظام يعيش على إعادة إنتاج نفسه دون أن يصل إلى أي لحظة حسم؟
وفي لحظة كهذه، حيث تتداخل السياسة بالاعتياد والواقع بالتبرير والصبر بالإرهاق…
لا يعود من الصعب تلخيص المشهد.
بل يصبح التلخيص هو أسهل شيء في القصة كلها:
علاقة يعرف الجميع أنها قائمة…
لكن لا أحد يملك الشجاعة الكافية لتعريفها كما هي.
وحين تصل العلاقات السياسية إلى هذه النقطة تحديدًا، لا تحتاج إلى تحليل إضافي…
بل تحتاج فقط إلى اعتراف قانوني واضح جدًا، مهما كان قاسيًا:
طلاق بائن بينونة كبرى من هذه الحكومة
بقلم:شادي عياد









