السلطة الوطنية الفلسطينية… ليست “دكانة” بل خلاصة قرنٍ من الكرامة الوطنية

بقلم:شادي عياد

حين قال القائد الفلسطيني جبريل الرجوب إن “السلطة الفلسطينية ليست دكانة، واحد بفتحها وواحد بيكسرها”، لم يكن يطلق مجرد تصريح سياسي عابر، بل كان يختصر تاريخ شعبٍ كامل، وتجربة وطنية عمرها عقود من الصمود والوعي والإرادة.

هذا الكلام لا يُقرأ كجملة إعلامية…
بل كبيان وطني ثقيل، صادر عن مدرسة نضالية تعرف معنى الهوية، ومعنى أن يعيش شعب تحت الاحتلال لكنه يرفض أن يتحول إلى مجرد سكان بلا قضية أو كيان أو إرادة.

فالسلطة الوطنية الفلسطينية لم تكن يومًا مشروع “خدمات” فقط، ولم تكن صندوق بريد سياسي، ولا حالة إدارية مؤقتة.
هي امتداد طبيعي لمسار طويل بدأ منذ أن قرر الفلسطيني بعد نكبة وتشريد واحتلال، أن يبقى واقفًا فوق أرضه يحمل اسمه وهويته ووعيه الوطني رغم كل شيء.

منذ عام 1967، والفلسطيني مارس السيادة بالمعنى المعنوي قبل أن يمتلك أدواتها السياسية.
مارس الوطنية كهوية يومية.
في المدرسة، في الجامعة، في المخيم، في النقابة، في الحجر، في الانتفاضة، وفي جنازات الشهداء.
كان يبني دولته داخل روحه أولًا، قبل أن تُرفع الأعلام فوق المقار الرسمية.

ثم جاءت لحظة اتفاق أوسلو ودخول طلائع السلطة الوطنية في السابع من أيار عام 1994، بقيادة الرمز الخالد ياسر عرفات، الذي عاد إلى فلسطين لا كموظف إداري، بل كقائد ثورة حمل وطنه في قلبه لعقود.

أبو عمار لم يدخل غزة وأريحا ليؤسس “شركة”.
دخل ليقول للعالم إن الفلسطيني ليس لاجئًا أبديًا، وليس ملفًا إنسانيًا، بل شعب يمتلك مشروعًا وطنيًا وقرارًا سياسيًا وهوية لا تموت.

ومن بعده، حملت القيادة الفلسطينية هذا الإرث الثقيل وسط عواصف إقليمية ودولية هائلة، وظل الرئيس محمود عباس يتمسك بفكرة الكيان الوطني الفلسطيني وشرعية القرار الفلسطيني المستقل، مدركًا أن أخطر ما يمكن أن يواجهه شعبنا ليس فقط الاحتلال، بل محاولة تحويل الفلسطيني إلى حالة إنسانية بلا عنوان سياسي ولا مرجعية وطنية.

ولهذا السبب تحديدًا…
كانت الحرب على المشروع الوطني الفلسطيني شرسة.

فالجميع يعلم أن السنوات الأولى لنشوء السلطة شهدت محاولات ممنهجة لإفشال نمو المشروع الوطني الفلسطيني، وأن قوى عديدة — داخلية وخارجية — رأت في صعود الهوية الوطنية الفلسطينية المستقلة خطرًا على حساباتها، فتم الاستثمار في الفوضى والانقسام والتشكيك، وتوفير الملاذ والدعم لكل من يساهم في ضرب الحالة الوطنية الجامعة التي قادتها حركة فتح ومعها منظمة التحرير الفلسطينية.

لكن الحقيقة التي لم تتغير يومًا هي أن المشروع الوطني الفلسطيني أعمق من كل الأزمات.
لأنه ليس قائمًا على نظام سياسي عابر، بل على شعب كامل آمن بحقه في الحياة والحرية والسيادة.

ولهذا تبدو كلمات جبريل الرجوب شبيهة بكلمات القادة الكبار في تاريخ الشعوب الحرة.
حين تحدث نيلسون مانديلا عن كرامة شعبه، لم يكن يدافع عن مؤسسة بل عن هوية.
وحين وقف شارل ديغول بعد احتلال فرنسا، كان يدافع عن فكرة الدولة حتى قبل استعادتها.
وحين قال جمال عبد الناصر إن الإرادة الشعبية أقوى من الهزائم، كان يتحدث بلغة تشبه لغة الفلسطيني حين يتمسك بكيانيته الوطنية رغم الاحتلال.

وهكذا كانت مدرسة فتح دائمًا…
مدرسة ترى أن الوطنية ليست شعارًا موسميًا، بل هوية جينية تسري في الوعي الفلسطيني من جيل إلى جيل.

من خليل الوزير إلى صلاح خلف، ومن فيصل الحسيني إلى آلاف الشهداء والأسرى والمناضلين الذين آمنوا أن فلسطين ليست بندًا تفاوضيًا بل قضية وجود وحرية.

لهذا…
حين يتحدث رجال بحجم جبريل الرجوب عن السلطة الوطنية، فهم لا يدافعون عن “بناء إداري”، بل عن تراكم نضالي ووطني دفع ثمنه الفلسطينيون دمًا وعمرًا وحصارًا ومنافي.

فالسلطة ليست دكانة…
لأن فلسطين ليست مشروعًا مؤقتًا.

هي وطن.
وهوية.
وحكاية شعب قرر أن يبقى حيًا رغم كل محاولات الاقتلاع.

وما دام في فلسطين رجال يحملون هذا الإرث الوطني الكبير، ويتمسكون بعقل الدولة وروح الثورة معًا، فإن المشروع الوطني الفلسطيني سيبقى قادرًا على النهوض، مهما اشتدت العواصف، ومهما راهن البعض على التعب أو الانقسام أو الانهيار.