دلالات إخفاء البيانات الأمنية عن الإعلام الإسرائيلي

د. رمزي عودة

كشفت وثيقة داخلية للشرطة الإسرائيلية أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف، إيتمار بن غفير، يعرقل ويؤخر نشر معلومات وبيانات عامة تتعلق بالجريمة والأسلحة واقتحامات المسجد الأقصى المبارك، فضلاً عن توسيع المستوطنات واعتداءات المستوطنين، الأمر الذي يحرم الإسرائيليين من الاطلاع على معلومات يفترض أن تكون متاحة للجمهور. واعتبرت الوثيقة أن مئات الطلبات المتعلقة بنشر المعلومات يتم تعطيلها من قبل بن غفير شخصياً، حيث يجري إما تأجيلها أو رفضها. وتحمل هذه الوثيقة في ثناياها دلالات خطيرة ومهمة تتعلق أساساً بالغطاء الديمقراطي الذي تحاول إسرائيل إظهاره أمام العالم، إذ يُعد نشر المعلومات والبيانات ركناً أساسياً في أي نظام ديمقراطي. ولو أن عرقلة نشر المعلومات أو إخفاءها ظهرت في أي دولة ديمقراطية أخرى، لكان ذلك كفيلاً بإثارة أزمة سياسية قد تدفع وزير الداخلية أو حتى رئيس الوزراء إلى الاستقالة.
إلا أن الملاحظ في الحالة الإسرائيلية هو غياب الإدانة الحقيقية لبن غفير في سياق هذا التضليل، وهو ما يعكس حالة التطرف التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي والنخب السياسية الحاكمة، بما في ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.
ومن الجدير بالذكر أن القانون الإسرائيلي يضمن نشر هذه البيانات باعتبارها معلومات عامة، إلا أن بن غفير تجاوز القانون، وفقاً لما ورد في الوثيقة، عندما ألزم ضباط الشرطة بإحالة أي طلب لنشر المعلومات إليه شخصياً، في إجراء وُصف بأنه مخالف للقانون ولمبادئ حرية المعلومات، بحسب المدير العام لحركة حرية المعلومات، المحامي الإسرائيلي هايدي نيغيف.

في الواقع، توجد عدة أسباب ودوافع محتملة وراء إخفاء هذه المعلومات، من أبرزها:
أولاً: أن بن غفير نفسه متهم من قبل منتقديه بالارتباط السياسي والأيديولوجي بالعديد من السياسات المتعلقة باقتحامات المسجد الأقصى وتسليح المستوطنين، وقد ظهر في مناسبات علنية داعماً لمواقف متشددة تجاه الفلسطينيين، الأمر الذي يجعله حريصاً على الحد من تداول المعلومات التي قد تزيد من الانتقادات الموجهة إليه لاسيما على المستوى الدولي.

ثانياً: أن نشر بيانات تتعلق بالانتهاكات أو الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين قد يُستخدم من قبل المنظمات الدولية والدول الداعمة للقضية الفلسطينية في توجيه انتقادات لإسرائيل أو المطالبة بمساءلتها قانونياً، وهو ما تخشاه بعض الأوساط السياسية الإسرائيلية.
ثالثاً: أن جزءاً من البيانات التي يُعترض على نشرها يتعلق بالأوضاع الأمنية الداخلية، ولا سيما داخل المجتمع العربي في إسرائيل، الذي يعاني من ارتفاع معدلات الجريمة وأعمال القتل وإطلاق النار. ومن شأن نشر هذه البيانات أن يسلط الضوء على التحديات الأمنية القائمة، وأن يعرّض وزارة الأمن القومي لانتقادات تتعلق بمدى نجاحها في حفظ الأمن والاستقرار.
وبرغم أن هذه المعطيات تثير تساؤلات جدية حول الشفافية والالتزام بالقانون الاسرائيلي والقانون الدولي، فإن العديد من الدول الغربية لا تمارس ضغوطاً كافية على إسرائيل أو على المسؤولين المتهمين بتقييد الوصول إلى المعلومات العامة في مجالات الجريمة المنظمة والابادة الجماعية. كما أن بن غفير نفسه يعبّر بصورة متكررة عن مواقف ناقدة للمنظمات الحقوقية الدولية، ويعترض على بعض قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية. وفي هذا السياق، يؤكد العديد من منتقدي الحكومة الإسرائيلية أن إسرائيل باتت تُظهر قدراً متزايداً من التحدي للمنظومة القانونية الدولية، مستشهدين بمواقف مسؤولين إسرائيليين تجاه تقارير الأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية الدولية، وبالخلافات المتصاعدة حول تقييم سلوك القوات الإسرائيلية ليس فقط ضد الفلسطينيين وانما أيضا ضد المناصرين الاجانب كما حدث للمتضامنين في أسطول الصمود مؤخراُ والذين تم اعتقالهم والاعتداء عليهم من قبل قوات الاحتلال بما فيها الاعتداءات الجنسية.