تضخّم فقه الإلغاء والإقصاء: حين يتحوّل الاختلاف إلى جريمة والآخر إلى عدوّ:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليس الإقصاء مجرّد موقفٍ فكريٍّ عابر، ولا هو خلافٌ طبيعيٌّ ينشأ بين الرؤى والمصالح والتأويلات، بل هو في جوهره مشروعٌ لإلغاء الوجود الرمزي والمعنوي للآخر، ومحاولةٌ ممنهجة لاجتثاثه من المجال الثقافي أو السياسي أو الاجتماعي أو المعرفي. فحين يتضخّم ما يمكن تسميته بـ«فقه الإلغاء والإقصاء»، تنتقل العلاقة مع المختلف من مستوى الحوار إلى مستوى الإدانة، ومن دائرة النقد إلى دائرة النفي، ومن مساحة التعايش إلى فضاء الاستئصال.
لقد علّمنا التاريخ أن الأمم والحضارات لا تزدهر بالتشابه المطلق، وإنما بالتنوّع الخلّاق الذي يجعل من الاختلاف مصدرَ غنىً لا سببَ خصومة. غير أنّ الجماعات المؤدلجة التي أغلقت على نفسها أبواب المراجعة والنقد، لم تنظر إلى الآخر بوصفه شريكاً في صناعة الحقيقة، بل رأته تهديداً دائماً لسلطتها الفكرية وروايتها الأحادية للعالم. ومن هنا نشأت العقائد الدوغمائية التي ادّعت امتلاك الحقيقة المطلقة، فرفعت نفسها إلى مرتبة المرجعية النهائية التي لا تُسأل ولا تُراجع ولا تُناقش.
إنّ الإيديولوجيات المغلقة لا تكتفي برفض الاختلاف، بل تعمل على تحويله إلى خطيئة. فهي لا تعترف بحق الآخرين في أن يكونوا مختلفين، لأن وجود المختلف يكشف محدودية ادعائها للكمال. ولهذا تسعى دائماً إلى إعادة تشكيل الواقع وفق نموذجها الخاص، وإلى صبّ البشر في قالب واحد، وكأن الإنسانية الواسعة بكل ثقافاتها وتجاربها وأحلامها ليست سوى مادة خام ينبغي إعادة تصنيعها وفق المقاس الأيديولوجي المطلوب.
ومن هنا كان الإقصاء توأماً للاستبداد؛ إذ لا يمكن لسلطة تؤمن بالتعدد أن تمارس الإلغاء، كما لا يمكن لعقل يؤمن بالحوار أن يستأصل المخالف. فالإقصاء يبدأ عادةً بإلغاء الرأي، ثم يتطوّر إلى إلغاء صاحبه، ثم يتحوّل إلى إلغاء الجماعة التي ينتمي إليها، حتى يصبح الاختلاف ذاته جريمةً تستوجب العقاب.
وقد شهد القرن العشرون نماذج صارخة لهذا المنطق المدمر. فالنازية الهتلرية لم تبنِ مشروعها على الاعتراف بالتنوع الإنساني، بل على فكرة النقاء والتفوّق والاستبعاد. وكذلك الفاشية الموسولينية التي جعلت من الدولة كياناً متعالياً فوق المجتمع والفرد، وأخضعت الجميع لمركزية قاهرة لا تسمح بوجود صوت مغاير. ولم يكن مصير هذه النظم إلا الانهيار، لأن كل مشروع يقوم على نفي الإنسان يحمل في داخله بذور فنائه.
إنّ أخطر ما في فقه الإلغاء أنّه يعيش داخل وهم القوة المطلقة. فكلما امتلكت الجماعة أو السلطة أدوات النفوذ، ازداد اقتناعها بأنها معصومة من الخطأ. وهنا يتعطل النقد الذاتي، وتُغلق منافذ المراجعة، ويصبح الخطأ عقيدة، والتعصب فضيلة، والطاعة العمياء معياراً للولاء. وعندما تغيب آليات التصحيح الذاتي، تتراكم الأخطاء حتى تتحول إلى أزمات بنيوية تعصف بالبناء كله مهما بدا متماسكاً في الظاهر.
ولذلك فإن المجتمعات المنفتحة لا تُقاس بقوة أجهزتها أو كثرة شعاراتها، بل بقدرتها على استيعاب المختلف واحترام التعددية وإفساح المجال أمام النقد والمراجعة. فالحقيقة الإنسانية ليست ملكاً لفرد أو جماعة أو حزب أو أمة، وإنما هي أفقٌ مفتوح تتكامل فيه الرؤى وتتفاعل فيه الخبرات وتتلاقح فيه الأفكار.
إنّ الحضارات الكبرى لم تُبنَ على ثقافة الإلغاء، بل على ثقافة الاعتراف. فالاعتراف بالآخر لا يعني التسليم بكل ما يقول، وإنما الإقرار بحقه في الوجود والتعبير والاختلاف. أما الإقصاء فلا ينتج إلا مجتمعات متوترة، تخاف من الأسئلة أكثر مما تخاف من الأخطاء، وتخشى الحرية أكثر مما تخشى الاستبداد.
وإذا كانت العولمة في بعض تجلياتها تسعى إلى فرض أنماط ثقافية واقتصادية موحّدة على العالم، فإنها حين تتحول إلى مشروع لـ«نمذجة» البشر وفق صورة واحدة، فإنها تقع في الفخ نفسه الذي وقعت فيه الأيديولوجيات الشمولية السابقة؛ لأن التنوع ليس عيباً ينبغي التخلص منه، بل قانوناً من قوانين العمران الإنساني.
إنّ المستقبل لا تصنعه العقليات التي ترى العالم في مرآتها وحدها، بل تصنعه العقول التي تدرك أن الحقيقة أوسع من أن تُحتكر، وأن الإنسان أغنى من أن يُختزل، وأن الاختلاف ليس تهديداً للوجود، بل شرطاً من شروط اكتماله. ولهذا فإن مقاومة فقه الإلغاء والإقصاء ليست مهمةً سياسية أو ثقافية فحسب، بل هي واجبٌ أخلاقي وحضاري، لأن الدفاع عن حق الآخر في الاختلاف هو في جوهره دفاع عن إنسانيتنا المشتركة، وعن حق الجميع في أن يكونوا أصواتاً حرة لا أصداءً، وذواتاً مستقلة لا ظلالاً باهتة لقوةٍ عابرة تتوهم أنها مركز الكون ونهايته.