قالوا: ما فلسطين؟
فقلت: ليست كلمةً تُقال، ولا خريطةً تُرسم، ولا أرضًا تُقاس بالأميال والحدود. فلسطين دمعةٌ خبأها الله في عين التاريخ، كي يتذكر العالم أن للحق وجوهًا لا تشيخ، وأن للأوطان أرواحًا لا تموت.
فلسطين ليست وطنًا نحمله فوق أكتافنا، بل هي التي تحملنا فوق أكتافها منذ آلاف السنين. هي الأم التي كلما أثقلتها الأحزان فتحت ذراعيها لأبنائها أكثر، وهي الشجرة التي كلما ضربتها الريح ازدادت تشبثًا بالأرض واتسع ظلها فوق رؤوس العابرين. وهي النشيد الذي لم تكتمل أبياته بعد، لأن التاريخ ما زال يكتب سطوره الأخيرة.
يا فلسطين، يا حبيبة الأنبياء ويا جرح السماء المفتوح على الأرض، ويا معجزة الصبر حين يضيق الكون بأهله. كم مرة حاولوا دفنكِ في غبار الحروب فخرجتِ من الرماد أكثر حياة، وكم مرة أرادوا أن يطفئوا اسمكِ فإذا به يضيء في القلوب أكثر مما يضيء على الخرائط.
أنتِ لستِ قضية شعبٍ فقط، بل امتحان الإنسانية كلها، والسؤال الذي ما زال العالم عاجزًا عن الهروب من جوابه. فيكِ شيء من قداسة الصلاة التي تعانق مآذن الأقصى، وشيء من تراتيل الكنائس التي تحفظ ذاكرة الأرض، وشيء من عناد الجبال، وشيء من حزن الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن عند أبواب الغياب، وشيء من ضحكة طفل فلسطيني يركض بين الركام وكأنه يخبر العالم أن الحياة أقوى من الموت. وفيكِ أيضًا صبر غزة وهي تقف على حافة الوجع حاملةً راية الحياة رغم كل ما مرّ بها من ألم ونار وحصار.
أحبكِ يا فلسطين كما يحب البحر شواطئه البعيدة، وكما يحب العطشان قطرة الماء الأخيرة، وكما تحب السنابل يد الفلاح التي زرعتها. أحبكِ لأنكِ علمتِنا أن الكرامة ليست شعارًا بل ثمنًا، وأن الحرية ليست أمنية بل طريقًا طويلًا من الصبر والإيمان، وأن الوطن ليس المكان الذي نعيش فيه فقط، بل المكان الذي يعيش فينا مهما ابتعدنا عنه.
يا فلسطين، إن تعب الناس من الحلم فلن نتعب، وإن خاف الناس من الطريق فلن نخاف، وإن انحنى العالم أمام القوة فسنظل واقفين أمام الحق. لقد تعلمنا منكِ أن الشمس لا تستأذن الليل كي تشرق، وأن الفجر لا يحتاج إلى إذن من الظلام كي يولد.
ولهذا فإننا لا ننتظر الغد خوفًا من الحاضر، بل ننتظره إيمانًا بوعد الله وإيمانًا بأن لهذه الأرض حكاية لم تنتهِ بعد. سيأتي الفجر، ليس لأننا نتمنى مجيئه فقط، بل لأن فلسطين تستحقه. وسيأتي يوم تفتح فيه القدس أبوابها للفرح، وتعود مآذن الأقصى وأجراس الكنائس لتروي للعالم حكاية مدينة خُلقت لتكون عنوانًا للمحبة والسلام وتتنفس المدن هواء الطمأنينة، وتعود الحكايات إلى أصحابها، ويجلس الفلسطيني تحت زيتونته العتيقة لا ليحكي قصة الألم، بل ليحكي قصة الانتصار على الألم.
وعندما يأتي ذلك اليوم لن نقول إن فلسطين انتصرت، بل سنقول إن العدالة تأخرت كثيرا ثم وصلت، وإن التاريخ دار دورته الطويلة وعاد إلى أصحابه.
أما أنتِ يا فلسطين، فستبقين كما كنتِ دائمًا: النبض الذي لا يهدأ والحب الذي لا يشيخ، والوعد الذي لا ينكسر، والفجر الذي مهما تأخر لا بد أن يأتي.
فلسطين حبًا ووفاءً وفداءً… ووعدًا بفجرٍ جديد.





