يروّج أتباع النظام الإيراني أن المواجهة مع الكيان الصهيوني تدور أساسًا حول فلسطين وغزة، وأن الضربات التي توجهها طهران تأتي دفاعًا عن الشعب الفلسطيني وتجسيدًا لما يسمونه “وحدة الساحات”. لكن الوقائع على الأرض تطرح أسئلة لا يستطيع أصحاب الشعارات الإجابة عنها. فإذا كانت فلسطين هي جوهر الصراع حقًا، فما الذي قدمته إيران لفلسطين في اللحظات الحاسمة؟ وماذا جنت غزة من عقود طويلة من الخطابات الرنانة؟
لقد تعرضت غزة لواحدة من أبشع حروب الإبادة في العصر الحديث، فسقط عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، ودُمرت المدن والأحياء والمستشفيات والمدارس، وعانى الشعب الفلسطيني من حصار وتجويع وتهجير غير مسبوقين. ومع ذلك لم نشهد تدخلاً يتناسب مع حجم الشعارات التي رفعتها طهران لعقود باسم تحرير فلسطين. أما لبنان، الذي يُقدَّم باعتباره جزءًا من ” الساحات الموحدة “، فقد ظل يتعرض للغارات والاغتيالات والاعتداءات الصهيونية المتواصلة، ووصل العدوان إلى بيروت والنبطية والبقاع، وقُتل وجُرح الآلاف من اللبنانيين وهُجّر مئات الآلاف، دون أن تتحرك إيران بالزخم الذي يتحدث عنه أتباعها اليوم.
فلو كان الدافع الحقيقي هو الدفاع عن فلسطين ولبنان، لكان التدخل قد جاء عندما كانت غزة تُباد، وعندما كانت القرى اللبنانية تُدمر، لا بعد ذلك بوقت طويل وفي توقيت يثير أكثر من علامة استفهام. لماذا اختارت إيران هذه اللحظة بالذات وهي تدرك أن أي رد صهيوني أو أمريكي سيكون عنيفًا؟ ولماذا لم تتحرك عندما كان العرب في فلسطين ولبنان يدفعون الثمن وحدهم؟
إن الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن النظام الإيراني يعيش واحدة من أصعب مراحله. أزمة اقتصادية خانقة، وتوترات اجتماعية متصاعدة، وتراجع في صورة مشروعه الإقليمي بعد الضربات التي تلقاها في أكثر من ساحة. وفي مثل هذه الظروف تلجأ الأنظمة المأزومة إلى تصدير أزماتها إلى الخارج، أملاً في شد عصب أنصارها وإعادة إنتاج صورة القوة التي بدأت تتآكل.
وما جرى لم يكن أكثر من استعراض للقوة، لم يغيّر ميزان الصراع مع الكيان الصهيوني، ولم يوقف العدوان على غزة، ولم يحرر أرضًا فلسطينية، ولم ينهِ الاعتداءات على لبنان. لكنه وفّر مادة دعائية يحتاجها أتباع المشروع الإيراني لتجاوز حالة الإحباط التي خلفتها سنوات طويلة من الشعارات الكبيرة والنتائج المحدودة.
إن القضية الفلسطينية أكبر من أن تكون ورقة في يد هذا النظام أو ذاك، وأقدس من أن تتحول إلى أداة لتبرير مشاريع النفوذ الإقليمية. ففلسطين ليست ساحة متقدمة للدفاع عن المصالح الإيرانية، بل هي قضية الأمة العربية المركزية. ومن حق العرب أن يتساءلوا: هل كان الهدف حقًا تحرير فلسطين، أم توظيف فلسطين؟ وهل كانت غزة غاية المشروع الإيراني أم مجرد وسيلة من وسائله؟
لقد أثبتت التجارب أن تحرير فلسطين لا يمكن أن يكون ثمرة مشاريع قومية فارسية تتدثر بشعارات دينية أو مقاومة، بل ثمرة نهضة عربية قومية تجعل من فلسطين هدفًا للتحرير لا ورقة للمساومة، ومن دماء الفلسطينيين واللبنانيين أمانة قومية لا وقودًا في صراعات النفوذ والحسابات الخاصة. فالأمة العربية تحتاج إلى مشروعها المستقل، وإلى إرادتها الحرة، لا إلى أوهام “وحدة الساحات” التي لم توحّد سوى الخسائر العربية، فيما بقيت فلسطين تنتظر التحرير.






