لقد كان مشروع “المدنية” – منذ بواكيره مع صرخات التنوير في القرن الثامن عشر – وعدًا بالتحرّر من قيد الطبيعة وهيمنة الخرافة، وفتحًا لأفق العقل والعلم في بناء مدينة الإنسان. غير أنّ القرن الحادي والعشرين قد كشف عن مفارقة مروّعة: إذ باتت المدنية الحديثة، التي أريد لها أن تكون فضاءً للحرية والكرامة، رهينةً لمنطق السوق وثقافة الاستهلاك، تُدار وفق “اقتصاد التفاهة” كما وصفه آلان دونو، وتُختزل فيها القيم إلى مجرّد شعارات فاقدة للعمق.
يصف نيتشه هذا الانحدار من علياء الإنسان الخلّاق إلى حضيض “الإنسان الأخير” الذي لا يعرف سوى الرضا البليد، فيما يرى هابرماس أنّ المجال العمومي قد تحوّل إلى ساحةٍ لتلاعب الإعلام بالشعوب، بعدما كان ميداناً للحوار النقدي الحر. وهكذا تغدو المدنية الحديثة مسرحاً لتشييء الإنسان وتحويله إلى مستهلك مُسَيَّر، لا ذاتاً حُرّة قادرة على إنتاج المعنى.
لقد نبّه إريك فروم في كتابه “الهروب من الحرية” إلى أنّ الفرد المعاصر لم يتحرّر فعلياً، بل استبدل سلطة الكنيسة أو الإقطاع بسلطة أكثر خفاءً: سلطة السوق والإعلانات والجماهير. وفي السياق نفسه، تحدّث غي ديبور عن “مجتمع الاستعراض” حيث تختفي الحقيقة خلف الصور، وتغدو الحياة مسرحًا دائمًا للتمثيل والفرجة، بدل أن تكون ممارسةً للحرية والوعي.
إذاً، إلى أين تقودنا المدنية في عصر التفاهة؟
ربما إلى “موت الإنسان” كما بشّر ميشيل فوكو، ليس بالمعنى البيولوجي، بل بمحو كلّ أفق لفاعليته وفرادته تحت ضغط الشبكات الرقمية ورأس المال العابر للحدود. فإذا كانت المدنية قد وُلدت من رحم مشروع الأنوار بوصفها تحقيقاً لكرامة الإنسان، فإنّ عصر التفاهة يهدّد بتحويلها إلى أداة لإنتاج “إنسان مُفرغ” يعيش داخل فقاعة من الترفيه والاستهلاك، بينما تتآكل القيم العظمى التي كانت قوام الروح المدنية: العدالة، الحقيقة، الحرية.
ومع ذلك، فإنّ السؤال الفلسفي لا يتوقّف عند التشخيص المأساوي، بل يتطلّب التفكير في إمكان المقاومة. هل يمكن إعادة بناء المدنية على أساس جديد يوازن بين التقدّم التقني والمعنى الإنساني؟ هل يمكن استعادة “الفضاء العمومي النقدي” الذي تحدّث عنه هابرماس، أو استحضار “الإنسان الأعلى” النيتشوي الذي يتجاوز الرداءة إلى الإبداع؟
إنّ الخطر الأكبر ليس في سقوط المدنية في التفاهة، بل في اعتيادنا على هذا السقوط حتى نكفّ عن الحلم بما هو أسمى. ولعلّ إنقاذ المدنية يبدأ من استعادة الفعل النقدي، وتحرير العقل من أسر الاستهلاك، والبحث عن المعنى في مواجهة جحيم التفاهة.
“إنّ المدنية ليست ما نملك، بل ما نصير إليه.”
بهذه الفكرة يمكن أن نختتم: إن المدنية، مهما كانت مغرية بإنجازاتها، قد تنقلب إلى نقيضها ما لم يقم الإنسان، بوصفه كائناً حراً ومسؤولاً، بإعادة توجيهها نحو غاية أسمى من الربح والمتعة العابرة: غاية الارتقاء بالإنسان ذاته.