فلسطين لا تقاس بالافتراءات بل بالتضحيات

أبو شريف رباح

– يا غيث التميمي: خسئت فالفلسطيني لم يبيع أرضه ولا يزال يدفع الدماء من أجلها

من المؤسف أن ينشغل البعض بتوجيه الاتهامات إلى الشعب الفلسطيني والتشكيك في قضيته العادلة بدلا من توجيه النقد إلى الاحتلال الذي اغتصب الأرض وشرد الملايين وارتكب المجازر بحق المدنيين على مدار عقود طويلة.

والشعب الفلسطيني لم يدعي يوما أنه أفضل من غيره من أبناء الأمة العربية لكنه شعب أثبت عبر تاريخه بدماء شهدائه وتضحيات أبنائه أنه من أكثر شعوب العالم تمسكا بحقوقه الوطنية وصمودا في مواجهة الاحتلال الغاشم، ومن حقه أن يعتز بهذا التاريخ النضالي الممتد لأكثر من قرن دفاعا عن أرضه وهويته ووجوده.

أما القول إن فلسطين لم تتعرض لاحتلالات متعددة عبر التاريخ فهذا افتراء وكذب ففلسطين منذ فجر التاريخ وهي تتعرض للغزو والاحتلال واخره الاحتلال الإسرائيلي، لكن الفلسطينيين يدافعون عن أرضهم وقدموا التضحيات الجسام ولا يزالون، ومعظم شعوب العالم مرت بتجارب احتلال واستعمار لكن الشرعية لا تقاس بمن احتل الأرض بل بحق أصحابها في الدفاع عنها واستعادتها لذلك فإن استحضار وقائع تاريخية قديمة لا يمكن أن يكون مبررا لتجاهل واقع الاحتلال والتهجير والاستيطان الذي يعيشه الفلسطينيون في العصر الحديث.

وعندما تقول إن الفلسطينيين باعوا قضيتهم فإن هذا الاتهام يتجاهل حقائق يعرفها العالم بأسره، فكيف يمكن لشعب قدم مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى والمهجرين أن يكون قد باع قضيته؟ وكيف يتهم بالتفريط من بقي متمسكا بأرضه رغم الحصار والقتل والاقتلاع المستمر؟

إن من يبيع قضيته يبحث عن الاستسلام والراحة أما الفلسطيني فما زال يدفع الثمن من دماء أبنائه ومستقبلهم دفاعا عن حريته وحقوقه الوطنية، ولو كان هذا الشعب قد تخلى عن قضيته لما بقيت فلسطين حية في وجدان العرب والمسلمين وأحرار العالم بعد أكثر من سبعة عقود على النكبة.

أما وجود الفلسطينيين في أوروبا وأمريكا ومختلف دول العالم فليس دليلا على التخلي عن الوطن بل هو شاهد على حجم المأساة التي تعرض لها هذا الشعب، فالفلسطيني لم يغادر أرضه طوعا بحثا عن الرفاهية بل هجر واقتلع بفعل الحروب والاحتلال والمجازر، ومع ذلك حافظ على هويته الوطنية وتمسك بحق العودة ولم ينسى وطنه.

ومن المفارقات اللافتة أن غيث التميمي الذي يتهجم على الشعب الفلسطيني يقيم في بريطانيا الدولة التي ارتبط اسمها بأحد أكثر القرارات ظلما في التاريخ الحديث بحق الشعب الفلسطيني عندما أصدرت ما عرف بوعد بلفور عام 1917 الذي منح الحركة الصهيونية وعدا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين على حساب أصحاب الأرض الأصليين، وكان الأجدر بمن يعيش في الدولة التي لعبت دورا محوريا في صناعة المأساة الفلسطينية أن يوجه نقده إلى السياسات الاستعمارية التي مهدت للاحتلال وأسهمت في ترسيخه بدلا من تحميل الضحية مسؤولية ما تعرضت له من تشريد ونكبات متواصلة.

والغريب أيضا أن التميمي، يتحدث عن فلسطين وكأن دول المنطقة تحررت بالكامل من التدخلات الخارجية والصراعات والاحتلالات بينما يعلم هو والجميع حجم ما تعرضت له شعوب عربية عديدة من حروب وتدخلات أضعفت دولها وأثقلت كاهل شعوبها، ولذلك فلا تزايد على شعب ما زال يواجه الاحتلال بشكل يومي إن فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم بل قضية عدالة وحرية وحق مشروع والقدس ليست مجرد مدينة بل رمز ديني وحضاري وتاريخي يحتل مكانة خاصة في وجدان مئات الملايين حول العالم.

وإذا كان هناك من يعتقد أن حملات التشكيك أو الإساءة للفلسطينيين يمكن أن تدفعهم إلى التخلي عن حقوقهم أو تقلل من مكانة قضيتهم فهو واهم فالشعب الفلسطيني الذي واجه الاحتلال بصدره العاري وقدم أجيالا من الشهداء والأسرى والجرحى لن تهزه كلمات عابرة أو اتهامات تفتقر إلى الإنصاف والموضوعية، وفي النهاية فإن التاريخ لا يخلد الذين وقفوا في وجه الضحية أو برروا معاناة الشعوب بل يذكر الذين انحازوا إلى الحق والعدالة أما فلسطين فستبقى عنوانا للنضال من أجل الحرية والكرامة وستظل حاضرة في ضمير الأمة والعالم مهما حاول البعض التشكيك في عدالة قضيتها أو التقليل من تضحيات شعبها.