دراسة ثيولوجية في الوعي المسيحي الفلسطيني المعاصر
مقدمة
يُعد العامل المسيحي الفلسطيني أحد أهم المكونات التاريخية للهوية الوطنية الفلسطينية، ليس فقط لأنه يمثل الامتداد الطبيعي للمسيحية الأولى التي انطلقت من القدس وبيت لحم والناصرة، بل لأنه يشكل جزءاً أصيلاً من الكينونة الفلسطينية التي حافظت على حضورها فوق الأرض الفلسطينية عبر القرون. وفي ظل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي برزت الحاجة إلى بناء خطاب ثيولوجي وطني قادر على مواجهة التفسيرات الدينية والسياسية التي سعت إلى شرعنة المشروع الصهيوني من خلال توظيف النصوص الدينية والتاريخ المقدس.
ضمن هذا السياق برز الرئيس الراحل ياسر عرفات بوصفه أول قائد فلسطيني أدرك الأبعاد الدينية والثقافية للصراع، وسعى إلى إدماج المسيحية الفلسطينية داخل المشروع الوطني الفلسطيني باعتبارها جزءاً من الهوية الوطنية الجامعة. ثم استمرت هذه الرؤية من خلال جهود الدكتور رمزي الخوري الذي حمل المشروع العرفاتي إلى فضاءات أوسع، فعمل على حماية الوجود المسيحي الفلسطيني والدفاع عن المقدسات المسيحية وترسيخ الرواية الفلسطينية في المحافل الكنسية والدولية.
أولاً: عرفات وإعادة تأسيس الوعي المسيحي الفلسطيني
لم ينظر ياسر عرفات إلى المسيحيين الفلسطينيين باعتبارهم أقلية دينية تحتاج إلى الحماية، بل باعتبارهم شركاء مؤسسين في صناعة التاريخ الفلسطيني. ولذلك حرص على إشراك الشخصيات المسيحية الفلسطينية في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وفي البنية السياسية الفلسطينية الحديثة.
لقد كان يدرك أن الهوية الفلسطينية هوية مركبة ومتعددة الأبعاد، وأن المسيحية الفلسطينية ليست وافداً تاريخياً على فلسطين، بل هي ابنة الأرض نفسها. ومن هنا عمل على إعادة دمج المسيحي الفلسطيني في مركز المشروع الوطني، وإعادة الاعتبار لدوره التاريخي والثقافي والنضالي.
ثانياً: المسيح الفلسطيني وإعادة إنتاج المعنى
أحد أهم التحولات التي ساهمت الرؤية العرفاتية في ترسيخها هو إعادة تقديم السيد المسيح بوصفه ابن هذه الأرض الفلسطينية.
ففي مواجهة محاولات التوظيف الصهيوني للتاريخ الديني، جرى التأكيد على أن المسيح ولد وعاش وتألم وقام في فلسطين، وأن رسالته كانت رسالة تحرير للإنسان من الظلم والاستعباد.
لقد تحول المسيح في المخيال الوطني الفلسطيني إلى رمز للفداء والمقاومة والصمود، وأصبحت آلامه التاريخية صورة رمزية لمعاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. وهكذا جرى الربط بين اللاهوت المسيحي وقيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية.
ثالثاً: مواجهة اللاهوت الصهيوني
أدرك عرفات أن الصراع لا يجري فقط على الأرض، بل على الرواية والتاريخ والتفسير الديني. ولذلك سعى إلى دعم خطاب مسيحي فلسطيني يواجه الأسس الفكرية للمسيحية الصهيونية وللقراءات التوراتية التي منحت المشروعية السياسية للمشروع الاستيطاني.
فقد رفضت الرؤية الفلسطينية الوطنية فكرة الاصطفاء العرقي واحتكار الوعد الإلهي، واعتبرت أن العدالة الإلهية لا يمكن أن تكون أداة لاقتلاع الشعوب أو نفي حقوقها التاريخية.
ومن هنا نشأ لاهوت فلسطيني تحرري يرى في الدفاع عن الإنسان المظلوم جزءاً من جوهر الرسالة المسيحية ذاتها.
رابعاً: الكنيسة الفلسطينية من الخصوصية إلى العالمية
ساهم عرفات في ترسيخ فكرة أن الكنيسة الفلسطينية ليست كنيسة محلية معزولة، بل هي أم الكنائس العالمية ومنبع الرسالة المسيحية الأولى.
فالقدس وبيت لحم والناصرة ليست مجرد أماكن جغرافية، بل مراكز روحية للوجدان المسيحي العالمي. ولذلك عمل على تعزيز العلاقة بين القضية الفلسطينية والعالم المسيحي، وربط الدفاع عن فلسطين بالدفاع عن الإرث المسيحي الإنساني المشترك.
وهنا اكتسبت الكنيسة الفلسطينية بعداً عالمياً جعلها شاهداً أخلاقياً على معاناة الشعب الفلسطيني.
خامساً: رفض المسيحية الصهيونية ونظرية الهيكل الثالث
شكّل رفض المسيحية الصهيونية أحد أهم مرتكزات اللاهوت الوطني الفلسطيني.
فالرؤية العرفاتية، ومن بعدها رؤية الدكتور رمزي الخوري، رفضت التفسيرات التي تربط الخلاص الديني بتهويد الأرض الفلسطينية أو بإقامة الهيكل الثالث أو باعتبار إسرائيل مركزاً للنبوءات الدينية.
وقد جرى التأكيد على أن المسيحية الحقيقية تدافع عن الإنسان وكرامته، وترفض توظيف الدين لخدمة مشاريع استعمارية أو توسعية.
كما تم إبراز الفوارق اللاهوتية بين المسيحية الفلسطينية الأصيلة والمسيحية الصهيونية التي تبنت تفسيرات سياسية للنصوص الدينية تخدم المشروع الإسرائيلي.
سادساً: رمزي الخوري واستمرار المشروع العرفاتي
إذا كان ياسر عرفات هو المؤسس السياسي لهذا الوعي المسيحي الوطني، فإن الدكتور رمزي الخوري يمثل أحد أبرز حراسه المعاصرين.
فمن خلال رئاسته للجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين عمل على حماية المقدسات المسيحية والإسلامية، والدفاع عن رجال الدين والرهبان، ومواجهة الاعتداءات الإسرائيلية على الكنائس والأوقاف المسيحية.
كما قاد جهوداً واسعة لترسيخ الحضور الفلسطيني داخل المؤسسات الكنسية العالمية، وقدم الرواية الفلسطينية في المحافل الدولية بوصفها رواية شعب يناضل من أجل الحرية والعدالة.
لقد أدرك الخوري أهمية العامل المسيحي في الصراع على الرواية التاريخية، ولذلك واصل الدفاع عن فلسطينية السيد المسيح وعن الهوية المسيحية الفلسطينية في مواجهة محاولات الأسرلة والتهويد.
سابعاً: المسيحية الفلسطينية والكيانية الوطنية
ساهمت الرؤية العرفاتية، التي واصلها رمزي الخوري، في تثبيت حقيقة أن المسيحية الفلسطينية ليست مجرد انتماء ديني، بل هي جزء من الكيانية الوطنية الفلسطينية.
فالمسيحي الفلسطيني لم يكن يوماً خارج التاريخ الوطني، بل كان شريكاً في مقاومة الاحتلال وصناعة الوعي والدفاع عن الأرض والمقدسات.
ومن هنا أصبحت الكنائس الفلسطينية مؤسسات وطنية بقدر ما هي مؤسسات دينية، وأصبحت الذاكرة المسيحية الفلسطينية جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية العامة.
خاتمة
يمكن القول إن التحول الذي بدأه الرئيس ياسر عرفات في العلاقة بين المسيحية الفلسطينية والمشروع الوطني الفلسطيني مثّل منعطفاً تاريخياً في الوعي الفلسطيني المعاصر. فقد نجح في نقل المسيحية الفلسطينية من موقع الدفاع عن الذات إلى موقع الشراكة الكاملة في بناء الهوية الوطنية ومواجهة المشروع الصهيوني.
وقد واصل الدكتور رمزي الخوري هذا المشروع، فحافظ على حضور المسيحية الفلسطينية في المجالين الوطني والدولي، ودافع عن المقدسات والوجود المسيحي الفلسطيني، مؤكداً أن القدس وبيت لحم والناصرة ليست مجرد مواقع دينية، بل تمثل جوهر الذاكرة الروحية والحضارية للشعب الفلسطيني.
وعليه فإن اللاهوت الوطني للمسيحية الفلسطينية لم يعد مجرد خطاب ديني، بل أصبح رؤية حضارية وإنسانية تؤكد أن فلسطين هي مهد الرسالات السماوية، وأن الدفاع عنها هو دفاع عن الإنسان والتاريخ والعدالة، وأن المسيحية الفلسطينية ستبقى شاهداً حياً على أصالة الوجود الفلسطيني فوق أرضه مهما تعددت محاولات النفي والإقصاء والتهويد.
أستاذ الفلسفة والعلوم الاجتماعية – جامعة الجزائر 2*






