لم يعد السؤال الفلسطيني اليوم: من يرفع شعار فلسطين أكثر؟ بل من يخدم فلسطين فعلاً ويحترم إرادة شعبها وقرارها الوطني المستقل؟
على مدار عقود طويلة، دفع الشعب الفلسطيني أثماناً باهظة من دمائه وتضحياته حتى انتزع اعتراف العالم بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً له، وحتى أصبحت القضية الفلسطينية قضية شعب يسعى إلى الحرية والاستقلال، لا ورقة تستخدمها الدول في صراعاتها ومنافساتها الإقليمية. لكن ما جرى خلال السنوات الأخيرة كشف أن بعض القوى الإقليمية لم تنظر إلى فلسطين باعتبارها قضية وطنية عادلة، بل باعتبارها ساحة نفوذ وميداناً لتوسيع مصالحها السياسية.
لقد رفعت إيران راية الدفاع عن فلسطين لعقود، لكنها في نظر كثير من الفلسطينيين لم تتعامل مع المشروع الوطني الفلسطيني كما هو، بل سعت إلى بناء نفوذها عبر دعم قوى وفصائل تدور في فلك سياساتها الإقليمية. وهكذا تحولت فلسطين بالنسبة لطهران من قضية تحرر وطني إلى ورقة تستخدمها في صراعها مع خصومها في المنطقة، بينما كان الثمن مزيداً من الانقسام الفلسطيني وإضعاف المؤسسة الوطنية الجامعة.
أما قطر، التي قدمت دعماً مالياً وإعلامياً كبيراً للفلسطينيين، فقد اختارت هي الأخرى في كثير من المحطات التعامل مع أطراف فلسطينية بعينها، الأمر الذي ساهم في تعميق حالة الاستقطاب الداخلي. فالمساعدات مهما بلغت أهميتها لا يمكن أن تكون بديلاً عن احترام الشرعية الوطنية الفلسطينية، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة للتأثير في القرار الفلسطيني أو إعادة تشكيل الخريطة السياسية الفلسطينية وفق حسابات خارجية.
وفي المقابل، فإن الإمارات التي وقفت تاريخياً إلى جانب الشعب الفلسطيني وقدمت له دعماً واسعاً، دخلت في السنوات الأخيرة في مسار سياسي أثار غضباً فلسطينياً واسعاً بعد التطبيع مع إسرائيل. وقد شعر كثير من الفلسطينيين أن هذه الخطوات أضعفت الموقف العربي الجماعي ومنحت الاحتلال مكاسب سياسية مجانية دون أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة.
إن المشكلة ليست في أن هذه الدولة أو تلك تختلف مع قيادة فلسطينية أو فصيل فلسطيني، فذلك يحدث في السياسة. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح القرار الفلسطيني رهينة للأموال أو للمحاور أو للأجندات الإقليمية، وعندما تتحول الفصائل الفلسطينية إلى أدوات في صراعات الآخرين بدلاً من أن تكون جزءاً من مشروع وطني موحد.
لقد أثبت التاريخ أن قوة الفلسطينيين كانت دائماً في وحدتهم الوطنية وفي التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية كعنوان جامع لكل أبناء الشعب الفلسطيني. وكل تجربة حاولت تجاوز هذا الإطار أو صناعة بدائل عنه لم تنتج سوى مزيد من الانقسام والضعف والتراجع.
إن فلسطين ليست جائزة تتنافس عليها العواصم، وليست منصة لتبادل الرسائل بين القوى الإقليمية، وليست بنداً في مفاوضات النفوذ والمصالح. فلسطين وطن شعب يناضل منذ أكثر من قرن من أجل الحرية والاستقلال، ومن حق هذا الشعب أن يحمي قراره الوطني من كل أشكال الوصاية والتدخل مهما كان مصدرها.
سيبقى المعيار الحقيقي لأي دولة تدّعي دعم فلسطين هو احترامها لوحدة الشعب الفلسطيني وشرعيته الوطنية وحقه في اتخاذ قراره بنفسه. أما الشعارات الرنانة والخطابات العاطفية فلا قيمة لها إذا كانت نتيجتها تمزيق الصف الفلسطيني وإضعاف قضيته العادلة.
فلسطين لا تحتاج من يتحدث باسمها، بل من يحترم إرادتها. ولا تحتاج مزيداً من المحاور، بل تحتاج أن يعود القرار الفلسطيني إلى أصحابه وحدهم: أبناء الشعب الفلسطيني.






