لقد شهدت بلدة الطيبة، وهي قرية مسيحية فلسطينية، خلال الأيام المنصرمة سلسلة من التعديات العنصرية من قبل المستوطنين المتطرفين الذين يروعون المواطنين الآمنين المسالمين في قريتهم الوادعة. وما يحدث في الطيبة يحدث أيضاً في محيط كنيسة القديسة بربارة التاريخية في عابود، كما وفي غيرها من الأماكن في الضفة الغربية. فالمستوطنون يجولون ويصولون في كافة المخيمات والقرى والمدن والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية، ويسعون إلى ترويع المواطنين وترهيبهم وتخويفهم وجعلهم يعيشون في حالة من التوتر والخوف من مستقبل مجهول.
لقد اتسعت رقعة المستوطنات، وباتت مسألة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وبناء البؤر الاستيطانية ظاهرة نراها بأم العين، لا سيما في منطقة بيت لحم ومحيطها، ومنطقة عش غراب وبيت ساحور، حيث يتم الاستيلاء على الأراضي والبدء ببناء المستوطنات.
إلى أين نحن ذاهبون؟ وأين هم أولئك الذين كانوا يتشدقون ويكذبون علينا قائلين إن الحل هو دولتان لشعبين؟
أمام ما نراه اليوم على الأرض، ماذا بقي للفلسطينيين؟ فالأراضي الفلسطينية تُنهب في كل يوم. وأين هي الجهات الغربية الضامنة والتي أيدت السلام المنشود والموعود؟ إننا نرى أن السلام الموعود والمنشود لم يتحقق منه شيء سوى مزيد من الاستهداف والتنكيل بالفلسطينيين، وبناء أسوار الفصل العنصري، ووضع الحواجز والبوابات الحديدية التي تمنع الفلسطيني من الانتقال من مكان إلى مكان.
أعتقد بأن الغالبية الساحقة من الفلسطينيين باتت تدرك بأن ما قيل في وقت من الأوقات عن «دولتين لشعبين» إنما كان كذبة كبرى. فمنذ توقيع اتفاقيات أوسلو المشؤومة ازدادت أسوار الفصل العنصري والحواجز العسكرية والمستوطنات، والقيادة السياسية في إسرائيل تتباهى بأنها لا تريد دولة فلسطينية ولا تريد سلاماً مع الفلسطينيين.
صحيح أن غزة عانت من حرب الإبادة وتبعاتها الكارثية، ولكن ما يحدث اليوم في الضفة الغربية إنما هو حرب إبادة وإن كان ذلك بأساليب وأنماط مختلفة.
عائلات بأكملها تركت الطيبة وذهبت إلى أماكن أخرى في عالمنا، وهذا يحدث في منطقة بيت لحم وفي غيرها من الأماكن. فالهجرة لا تطال المسيحيين لوحدهم، بل كافة أبناء شعبنا الذين يعيشون الحصار وسياسات التنكيل والتجويع والإذلال.
ما يحدث حالياً في الضفة الغربية إنما هو سياسة تطفيش ممنهجة، فالفلسطيني الذي لا يريد أن يكون سجيناً في سجون الاحتلال هو أيضاً لا يريد أن يكون سجيناً في أرضه ووطنه، وقد تحولت الضفة الغربية وكأنها سجن كبير.
إن أبناءنا وأصدقاءنا في الضفة الغربية، والذين يتواصلون معنا بشكل يومي، يقولون لنا إن أمنيتهم هي أن يأتوا إلى القدس. فعندما تتحول مسألة الوصول إلى القدس إلى أمنية، حينئذ يجب على العالم بأسره أن يكتشف ويدرك جسامة الظلم الذي يتعرض له شعبنا المنكوب والمظلوم. فحرية الوصول إلى القدس وحرية التنقل من مكان إلى مكان هي حق مشروع وليست منّة من أحد، ولا يجوز أن يبقى الفلسطينيون أسرى في بلداتهم وقراهم ومخيماتهم، غير قادرين على الوصول إلى قدسهم ومقدساتهم وإلى أشغالهم وأعمالهم التي من خلالها يوفرون قوتاً لأسرهم وأبنائهم.
أي ظلم هذا الذي يعاني منه الفلسطينيون؟ والمسيحيون يعانون كما يعاني كل الشعب الفلسطيني، بل نعتقد بأن هنالك تآمراً غير مسبوق على الحضور المسيحي في هذه الديار. وقد قال لي أحد الآباء البارحة في بيت لحم بأن ما يتعرض له المسيحيون الفلسطينيون يأتي في إطار مخطط ممنهج هادف لإفراغ فلسطين من مسيحيها، وهم مكون أساسي من مكوناتها الوطنية. والذين يستهدفون الفلسطينيين المسيحيين يستهدفون شعبنا كله، فالمؤامرة يتعرض لها كل الفلسطينيين الذين يُراد لهم أن يحزموا أمتعتهم ويغادروا أرضهم المقدسة.
الكنائس المسيحية في العالم مطالبة بأن تُسمع صوتها المنادي برفض هذه السياسات التي لا تستهدف المسيحيين وحدهم، بل تستهدف الكل الفلسطيني. كما أن المؤسسات الأممية والحقوقية مطالبة أيضاً بأن يكون لها دور في رفع هذه المظالم التي يتعرض لها الفلسطينيون.
إن أسوار الفصل العنصري يجب أن تزول، والبوابات الحديدية بألوانها المختلفة يجب أن تزول، والفلسطينيون لن يقبلوا بأن يكونوا مسجونين في وطنهم ومحاصرين في أرضهم المقدسة.
السلام لا يتحقق من خلال أسوار الفصل العنصري والبوابات الحديدية وسياسات التنكيل والإذلال التي يتعرض لها الفلسطينيون.
السلام يحتاج إلى العدالة، والعدالة اليوم مغيبة، ويبدو أنها ستبقى كذلك حتى يتبدل وجه هذا العالم ليكون أكثر إنسانية وعدلاً.
إن الذين يسيئون إلى رجال الدين المسيحي ويبصقون على الرموز المسيحية ويتصرفون بعنصرية تجاه الحضور المسيحي، هم ذاتهم المتآمرون على الفلسطينيين والذين يخططون لسرقة الأراضي الفلسطينية وإلغاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة في هذه الأرض المقدسة والمباركة.
أعان الله شعبنا أمام هذا الكم الهائل من المظالم، وحفظ الله هذا الشعب لكي يبقى صامداً ثابتاً في أرضه أمام كل هذه التحديات والمؤامرات والمشاريع الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية.
المطران عطا الله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 12 حزيران 2026





