عندما يصبح شهر ديسمبر أخطر مواسم الإنتاج المؤسسي
مع اقتراب نهاية العام، تدخل المؤسسات في حالة طوارئ غير معلنة، فجأة تستيقظ الإنجازات من سباتها، وتتدفق الصور من الأرشيف، وتبدأ رحلة البحث عن أي نشاط يمكن إضافته إلى التقرير السنوي.
فالهدف لم يعد فقط إنجاز العمل، بل ضمان حصوله على مكان لائق داخل التقرير، مع صورة مناسبة وعنوان جذاب وحجم خط يعكس أهميته التاريخية.
وفي بعض الأحيان، يبدو أن النشاط لم يُنفذ من أجل المواطن، بل من أجل الصفحة رقم 37 في التقرير السنوي.
المواطن يقرأ التقرير… ثم ينظر من النافذة
يفتح المواطن التقرير السنوي فيجد عبارات مبهرة:
“قفزة نوعية في الأداء.”
“تطوير غير مسبوق للخدمات.”
“تحقيق إنجازات استراتيجية.”
“تعزيز الشراكة المجتمعية.”
وبعد انتهاء القراءة، ينظر من النافذة ليكتشف أن الطريق كما هو، والخدمة كما هي، والمعاملة ما زالت تنتظر التوقيع ذاته الذي كان ينتظره العام الماضي، فيبدأ بالشك أن هناك مؤسسة أخرى تستفيد من هذه الإنجازات غير تلك التي يعرفها.
الصورة الجماعية أهم من النتيجة أحياناً
في التقارير السنوية، تحظى الصور بمكانة خاصة.
صورة افتتاح.
صورة اجتماع.
صورة ورشة عمل.
صورة توقيع اتفاقية.
صورة التقاط صورة بعد توقيع الاتفاقية.
حتى يخيل للقارئ أن المؤسسة أمضت العام بأكمله في التقاط الصور لإثبات أنها كانت تعمل.
أما السؤال المتعلق بنتائج كل هذه الاجتماعات والورش والاتفاقيات، فيتم تأجيله إلى التقرير القادم.
عدد الاجتماعات يرتفع… والمشكلة ما زالت في مكانها
من أبرز إنجازات التقارير السنوية أنها تستطيع تحويل الاجتماع إلى إنجاز مستقل،
عشرة اجتماعات لمناقشة المشكلة.
خمسة اجتماعات لمتابعة نتائج الاجتماعات.
ثلاثة اجتماعات لتقييم الاجتماعات السابقة.
وفي نهاية العام، تُسجل المؤسسة إنجازاً كبيراً يتمثل في عقد ثمانية عشر اجتماعاً حول المشكلة ذاتها، التي ما زالت تؤدي مهامها بكفاءة عالية دون أن تتأثر بكل هذا النشاط الإداري.
مؤشرات الأداء… لغة لا يتحدثها الشارع
المؤشرات في التقارير السنوية دائماً خضراء ومتفائلة.
نسبة الإنجاز 92%.
نسبة الرضا 87%.
نسبة التطور 78%.
أما المواطن فيقيس الأمور بطريقة مختلفة تماماً:
كم دقيقة انتظر؟
كم مرة راجع المؤسسة؟
كم يوماً استغرقت المعاملة؟
وكم مرة سمع عبارة “راجعنا الأسبوع القادم”؟
وهي مؤشرات لا تجد طريقها عادة إلى الجداول الملونة.
الإنجاز الذي لا يراه الناس
بعض التقارير تتحدث عن الإنجازات وكأنها كائنات خجولة تخاف الظهور في الواقع.
الجميع يتحدث عنها.
الجميع يكتب عنها.
الجميع يعرضها على الشاشة.
لكن المواطن يواصل البحث عنها في حياته اليومية دون أن يعثر عليها.
وكأن الإنجاز يعيش داخل التقرير فقط، ويغادره عند إغلاق الصفحة الأخيرة.
من ثقافة النشاط إلى ثقافة الأثر
المشكلة ليست في كتابة التقارير، فالمؤسسات الناجحة تحتاج إلى التوثيق والتقييم والمراجعة.
لكن الفرق كبير بين مؤسسة تقيس عدد الأنشطة التي نفذتها، ومؤسسة تقيس حجم التغيير الذي أحدثته.
فالناس لا تريد تقريراً يخبرها كم اجتماعاً عُقد.
بل تريد واقعاً يخبرها كم مشكلة حُلّت.
ولا تريد معرفة عدد الصفحات التي كُتبت.
بل عدد الخدمات التي تحسنت.
أجمل تقرير هو الذي يكتبه المواطن
في نهاية المطاف، يبقى هناك تقرير واحد أكثر مصداقية من كل التقارير السنوية.
إنه التقرير الذي يكتبه المواطن في ذهنه كل يوم.
فإذا شعر بتحسن الخدمة، ووجد أثراً حقيقياً للسياسات والمشاريع، فلن يحتاج إلى قراءة مئة صفحة ليقتنع بالإنجاز.
أما إذا بقي الإنجاز محصوراً بين الغلاف الأمامي والغلاف الخلفي للتقرير، فسيظل مجرد مهاجر موسمي يعود كل عام إلى الورق، ثم يختفي من جديد.








