أنا من هناك…
من قريةٍ فلسطينية ما زالت تسكنني وإن لم أسكنها، ومن بيتٍ أعرف طريقه أكثر مما أعرف طرق المدن التي عشت فيها. خرج ابي مع الخارجين، وحملت منه اسم قريتنا في القلب كما يحمل المؤمن صلاته.
ثم صرت من هنا…
من مخيم اليرموك، حيث كبرنا على رواية العودة، وحيث كانت فلسطين أقرب إلينا من الجدران التي تحيط بنا. هناك تعلمنا أن الوطن ليس مجرد أرض، بل ذاكرة لا تموت، وحق لا يسقط، وحلم يتوارثه الأبناء عن الآباء.
ومرت الأعوام…
حتى عدت إلى أرض الوطن مع الخالد ياسر عرفات، يوم ظننا أن الفجر قد اقترب، وأن المسافات التي فرقتنا عن بيوتنا بدأت تتلاشى. وطئت قدماي تراب فلسطين من جديد، وشعرت أن الروح عادت إلى جسدها بعد طول غياب.
لكن العودة كانت ناقصة…
عدت إلى الضفة الغربية، ولم أعد إلى قريتي. اقتربت من الحلم حتى كدت ألمسه، لكنه بقي بعيدًا خطوةً واحدة. صرت في الوطن، لكن الوطن كله لم يعد إليّ. وصرت قريبًا من البيت، لكن باب البيت ظل موصدًا في وجه الزمن.
ومع ذلك لم أفقد الإيمان.
فالأوطان لا تُقاس بالكيلومترات، بل بما نحمله لها من وفاء. وقريتي التي لم أعد إليها ما زالت تسكنني في كل صباح، في أسماء الأشجار، وفي رائحة التراب بعد المطر، وفي الحكايات التي أرويها للأحفاد حتى لا تضيع الطريق.
أنا لاجئ عاد إلى وطنه، لكنه ما زال ينتظر عودته الكاملة.
أنا من فلسطين…
ومن اليرموك…
ومن الضفة الغربية…
وأحمل في قلبي قريةً لم تغب يومًا، رغم غيابها عن عيني.
فإذا سألوني ما زلتَ تنتظر ماذا؟
أقول:
أنتظر أن أرى الطريق إلى قريتي مفتوحًا كما تركته الذاكرة،
وأن أقول قبل أن أغادر هذه الدنيا:
لقد عدت… واكتملت العوده





