قد يبدو هذا السؤال صادمًا للبعض، لكنه بالنسبة لقطاع واسع من الفلسطينيين، وخاصة في غزة، ليس سؤالًا مستغربًا بقدر ما هو محاولة لفهم واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا وخطورة في التاريخ الفلسطيني المعاصر.
فالقضية لا تتعلق بمجرد خلاف سياسي عابر بين حركة وفصيل، بل بأزمة عميقة مست جوانب الهوية الوطنية والشراكة السياسية ووحدة المشروع الفلسطيني بأكمله.
هناك شريحة كبيرة جداً من الفلسطينيين ترى أن حركة حماس، منذ نشأتها وصعودها السياسي والعسكري، لم تنجح في بناء علاقة متوازنة مع بقية مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية، بل اتجهت تدريجيًا نحو تكريس حالة من الاستقطاب الحاد، بحيث أصبح الاختلاف معها يُفسَّر في كثير من الأحيان بوصفه خصومة أو عداءً أو حتى خيانة.
لم يقتصر ذلك على أفراد أو تيارات محددة، بل امتد ليشمل قطاعات واسعة من أبناء حركة فتح وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية وشخصيات وطنية ذات تاريخ نضالي طويل، الأمر الذي عمق الانقسام وأضعف قدرة المجتمع الفلسطيني على إدارة خلافاته ضمن إطار وطني جامع.
من هنا نشأت حالة بات يشعر معها كثير من الفلسطينيين، وخاصة في غزة، وكأنهم يعيشون داخل فضاءين سياسيين متوازيين: فضاء ينتمي إلى فلسطين بوصفها قضية وطنية جامعة، وفضاء آخر تدور أولوياته حول الانتماء التنظيمي والحزبي “حماس”. وبين هذين الفضاءين تراجعت المساحات المشتركة التي كانت تمثل أساس الوحدة الوطنية.
لا يمكن فهم هذه الظاهرة بعيدًا عن الخلفية الأيديولوجية والسياسية التي حكمت علاقة حماس بمحيطها الفلسطيني. فالتباينات الفكرية والاستراتيجية بين الحركة وبين القوى الوطنية الأخرى وحتى أبناء الشعب الفلسطيني نفسه لم تُدار دائمًا بمنطق الشراكة والتعددية، بل تحولت في كثير من المحطات إلى صراعات مفتوحة أضعفت الجميع. وقد وجدت إسرائيل في هذا الواقع فرصة استراتيجية ثمينة لتعميق الانقسام الفلسطيني واستثماره سياسيًا وأمنيًا، مستفيدة من شبكة معقدة من التناقضات الإقليمية والدولية والإعلامية التي ساهمت، بدرجات متفاوتة، في تكريس حالة الاستقطاب الداخلي.
يعتبر كثيرون وأنا منهم أن الانقسام الفلسطيني الفلسطيني الذي بلغ ذروته في أحداث عام 2007 وكان انقلاباً على كل المفاهيم شكل نقطة تحول كارثية في مسار القضية الفلسطينية، ليس فقط بسبب تداعياته المباشرة على غزة والضفة الغربية، بل لأنه أضعف الموقف الفلسطيني برمته، وأتاح للقوى المعادية استغلال حالة التشظي الداخلي لإعادة صياغة الوقائع السياسية على الأرض بما يخدم مصالحها.
لكن تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط لا يعكس حقيقة المشهد بكل أبعاده.
فالأزمة الفلسطينية الراهنة هي نتاج تراكم طويل من الأخطاء والحسابات الخاطئة والإخفاقات السياسية التي شاركت فيها أطراف متعددة بدرجات مختلفة لكن حماس كانت أكثرها جرأة.
لذلك فإن اختزال المأساة في طرف بعينه قد يكون مريحًا سياسيًا، لكنه لا يقود إلى فهم حقيقي لجذور المشكلة ولا إلى حلول واقعية لها.
السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس من أخطأ أكثر، بل: هل تملك القوى الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها حماس وفتح وسائر الفصائل، الشجاعة الكافية لمراجعة تجربتها السياسية بصدق وموضوعية؟ وهل تستطيع الاعتراف بأن استمرار الانقسام أصبح خطرًا وجوديًا على المشروع الوطني الفلسطيني بأكمله؟
إن الشعوب قد تتحمل الهزائم والضغوط والاحتلال، لكنها لا تستطيع الاستمرار طويلًا في ظل الانقسام الداخلي وفقدان الثقة بين مكوناتها السياسية. وما لم تُجرِ النخب الفلسطينية مراجعة جذرية وشاملة لتجربتها خلال العقود الماضية، فإن الأزمة ستبقى تتجدد بأشكال مختلفة، وسيبقى الشعب الفلسطيني هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر.
إن إنقاذ القضية الفلسطينية لا يبدأ من انتصار فصيل على آخر، بل من انتصار الفكرة الوطنية الجامعة على المصالح الفصائلية الضيقة، ومن إعادة الاعتبار لمفهوم الشراكة السياسية والتعددية واحترام الاختلاف. أما إذا استمر كل طرف في اعتبار نفسه مالكًا للحقيقة المطلقة، فإن الشعب الفلسطيني قد يجد نفسه مضطرًا يومًا ما إلى إعادة صياغة علاقته بكل القوى السياسية، وقلب الطاولة على الجميع، بحثًا عن مشروع وطني جديد يستعيد وحدة الشعب والقضية والمصير.
مقال تأخر كثيراً. لكن لم يفت الأوان بعد…!









