أينما ولّيت وجهك، وعلى امتداد المعمورة، وفي قارات العالم؛ تجد للإمارات حضورًا استثماريًّا وتجاريًّا ولوجستيًّا واسعًا، ونفوذًا سياسيًّا ودبلوماسيًّا وإغاثيًّا آخذًا في التوسّع.
وقد دفع هذا الحضور الخارجي نحو 150 دولة إلى التعبير عن تضامنها مع الإمارات، وعرْض المساعدة؛ عندما تعرضت لعدوان إيراني غاشم، من بينها اتصال رئيس دولة من أصغر دول العالم، تقع في جنوب المحيط الهادئ، على بُعد نحو 15 ألف كيلومتر؛ معربًا عن استعداد بلاده لإرسال قوات عسكرية إلى الإمارات، ومعلنًا رغبته في زيارتها للتعبير عن دعمه، والوقوف إلى جانبها.
كان هذا الاتصال مفاجئًا ومحل تقدير، وكان واحدًا من عشرات الاتصالات التي تعكس حضور دولة نشِطة تستقبل عاصمتها أبوظبي زعماء العالم، ورؤساء الدول والحكومات، والوفود الدبلوماسية والتجارية على مدار أيام السنة من دون توقف. وفي ذروة العدوان ازدادت الاتصالات الهاتفية، والزيارات الرسمية، وكان من أبرزها زيارة رئيس وزراء إثيوبيا في مارس 2026، بعد نحو أسبوع واحد فقط من بدء العدوان.
ويشير هذا الزخم الدبلوماسي، في أوقات اليسر والعسر، إلى بروز الإمارات نموذجًا للدولة النشطة التي تمارس دورًا إقليميًّا ودوليًّا بارزًا واستباقيًّا، قائمًا على تكامل الداخل والخارج، وتوظيف أدوات القوة الذكية في إدارة علاقاتها الدولية.
وتعرِّف أدبيات العلاقات الدولية الدولة النشطة بأنها الدولة التي تملك القدرة والإرادة والجرأة على التأثير في محيطَيها الإقليمي والدولي؛ وتبادر إلى تشكيل الأحداث والسياسات بدلًا من الاكتفاء بردود الأفعال؛ وهي نقيض الدولة الخاملة، أو الانعزالية، التي تكتفي بأدوار خارجية موسمية ومتقطعة، وتغيب عنها المبادرات الكبيرة والمتواصلة والمؤثرة إقليميًّا ودوليًّا.
ومن أبرز سمات الدولة النشطة: الحيوية الدبلوماسية، والوساطة في حل النزاعات، وبناء الشراكات الاستراتيجية والاقتصادية، وتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية والشعبية والأمنية، واستضافة الفعاليات الكبرى، وتقديم المساعدات الإنسانية، وتوظيف القوة الناعمة، إلى جانب الانتشار الاستثماري الواسع.
وعلى الرغم من صغر حجمها الجغرافي والديمغرافي؛ فإن الإمارات تجسّد نموذجًا حيًّا للدولة النشطة؛ إذ عززت مكانتها وسمعتها بصفتها واحدة من أكثر الدول الخليجية والعربية والإسلامية نشاطًا على المستويات الاستثمارية والتجارية والدبلوماسية والإغاثية.
فسمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، يعدّ اليوم من أكثر وزراء الخارجية العرب نشاطًا وحضورًا على الساحة الدولية؛ فمنذ توليه حقيبة الخارجية، عام 2006، زار أكثر من 180 دولة، من بينها أصغر دول العالم، مثل ناورو، وتوفالو، وجزر مارشال، وبالاو، وولايات ميكرونيزيا المتحدة، وهي دول صغيرة تقع في المحيط الهادئ لا تحظى عادة باهتمام كبير من القوى الدولية. وقد أكدت هذه الزيارات أن الإمارات لا تميّز بين الدول الكبيرة والصغيرة؛ وأن هدفها توسيع شبكة صداقاتها وشراكاتها في آسيا وإفريقيا وأوروبا والأمريكتين.
وخلال الشهرين الأولين من العدوان الإيراني زار وزير الخارجية الإماراتي نحو 25 عاصمة عربية وعالمية، من بينها واشنطن، وبرلين، ولندن، ونيودلهي، وسنغافورة؛ لشرح موقف الإمارات تجاه تداعيات العدوان على الأمن والاستقرار الإقليميين والعالميين.
وما يميز النشاط الدبلوماسي الإماراتي أنه نشاط مؤسسي وجماعي، وليس جهدًا فرديًّا؛ إذ يعمل ضمن وزارة الخارجية فريق متكامل يضم ستة وزراء دولة، هم معالي ريم الهاشمي، ومعالي نورة الكعبي، ومعالي الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان، ومعالي خليفة شاهين المرر، ومعالي لانا نسيبة، ومعالي سعيد الهاجري؛ إذ يشكّلون مجلسًا وزاريًّا مصغرًا ومتخصّصًا بإدارة ملفات السياسة الخارجية المختلفة.
ولا يقتصر النشاط الدبلوماسي الإماراتي على وزير الخارجية، ووزراء الدولة في وزارة خارجية الإمارات؛ بل يمتد إلى هيكل وزاري يضم تسعة وزراء مساعدين، وهو من أكبر الهياكل القيادية في وزارات الخارجية الخليجية. كما يتميز هذا الفريق بتجاوزه المفهوم التقليدي للدبلوماسية ليشمل مجالات جديدة، مثل دبلوماسية الفضاء، والدبلوماسية البيئية، ودبلوماسية الذكاء الاصطناعي، والدبلوماسية الدفاعية والأمنية، والدبلوماسية الاقتصادية والثقافية والإنسانية؛ وهو ما أسهم في تعزيز مكانة الإمارات بصفتها إحدى أبرز القوى الناعمة في العالم.
ومن أبرز نجاحات الإمارات؛ بصفتها دولة نشطة دبلوماسيًّا دورها في الوساطات الدولية؛ إذ نجحت في إجراء 23 وساطة بين روسيا وأوكرانيا، أسهمت في الإفراج عن أكثر من سبعة آلاف أسير من الجانبين خلال عامين.
ولا يقتصر بروز الإمارات دولةً نشطةً على العمل الدبلوماسي، التقليدي منه والمستحدث فقط، بل يمتد إلى النشاط التجاري؛ فقد احتلت الإمارات المرتبة التاسعة عالميًّا في التجارة الخارجية، بإجمالي حجم تجارة بلغ نحو تريليون دولار في عام 2025؛ ليصبح اقتصادها ضمن أكبر الاقتصادات التجارية في العالم.
كما تعدّ الإمارات من أكثر دول المنطقة نشاطًا في إبرام اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، التي باتت إحدى أهم أدوات الدبلوماسية الاقتصادية الإماراتية؛ بهدف تعزيز التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد؛ إذ أبرمت الإمارات، حتى عام 2026، أكثر من ثلاثين اتفاقية مع شركاء في آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية، وأوقيانوسيا.
ويتمثل الهدف الاستراتيجي لهذا النشاط التجاري في ترسيخ مكانة الإمارات بصفتها “مركز المراكز ومحور المحاور”، الذي يربط بين المحاور التجارية العالمية، بحيث تبدأ حركة التجارة من موانئ الإمارات، ومطاراتها، وتعود إليها. وقد عززت الإمارات هذا النشاط التجاري بحضور لوجستي عالمي يمتد إلى ست قارات، وأكثر من مئة ميناء ومحطة بحرية، بطاقةِ مناولة تتجاوز 90 مليون حاوية سنويًّا.
وعلى الصعيد الإنساني تعدّ الإمارات من أكثر الدول نشاطًا في تقديم المساعدات الإغاثية، وذلك بحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية؛ إذ جاءت في المرتبة الثالثة عالميًّا بين أكبر المانحين للمساعدات الإنسانية في عام 2025، بعد الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي.
كما برزت الامارات قوة استثمارية نشطة عالميًّا؛ إذ تملك واحدة من أكبر المحافظ السيادية، وأكثرها تنوعًا وانتشارًا وربحية، تمتد استثماراتها إلى أكثر من مئة دولة؛ فقد خصصت الإمارات استثمارات بقيمة 1.4 تريليون دولار في قطاع الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، إلى جانب استثمارات بقيمة 30 مليار دولار لإنشاء مركز بيانات في فرنسا، يعد الأكبر من نوعه في أوروبا.
إن بروز الإمارات دولة نشطة يؤكد أن فهم النموذج الإماراتي لم يَعُدْ ممكنًا من خلال الأطر النظرية التقليدية، التي تنظر إليها بصفتها دولة نفطية صغيرة وتقليدية؛ فقد تجاوزت الإمارات هذه التصورات العتيقة، ودخلت منعطفًا تاريخيًّا جديدًا يتطلب أدوات تحليلية، ومفاهيم أكثر قدرة على استيعاب خصوصية تجربتها. ولعل مفهوم “الدولة النشطة” يعدّ من المفاهيم الجديرة بالاهتمام لفهم هذا النموذج الإماراتي المختلف؛ الذي نجح في تحويل النشاط السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والإنساني إلى سمة أصيلة من سمات تجربته التنموية والمعرفية، وجعل من الإمارات واحدة من أكثر الدول حضورًا وتأثيرًا في محيطيها الإقليمي والدولي.
نقلا عن منصة “مفكرو الإمارات”






