في عصرٍ تعاظمت فيه موجات الضجيج الرقمي، وتكاثرت فيه الرسائل المتناقضة، وتراجعت فيه القيم العميقة لصالح الصور السطحية، نشأ نمط جديد من القلق… قلقٌ لا يُنبئ عن عمقٍ وجودي، ولا عن ارتجاجٍ حقيقي في كينونة الإنسان، بل قلقٌ زائف، مصنوع، مُمسرح، يتغذى على الفارغ ويعيش على وهم الامتلاء.
إنه القلق الذي لا ينبثق من مواجهة المصير أو طرح السؤال، بل من تقليد المجتمع، ومن الارتهان لسوق المقارنة، ومن اللهاث وراء صور “النجاح” المصنوعة بإتقان في واجهات العالم المعولم.
القلق الحقيقي والقلق الزائف:
فرقٌ هائل بين القلق الوجودي الذي تحدّث عنه كيركغور وهايدغر وسارتر، وذاك القلق المصطنع الذي لا يصدر عن تأمّلٍ في معنى الحياة، بل عن شعورٍ بالفراغ أمام نماذج مستوردة ومفروضة من الخارج.
القلق في الفلسفة الوجودية، كما عند سورين كيركغور، هو انفتاح الإنسان على احتمالات حريته، وهو الدوار الناجم عن الوعي بأنني أنا المسؤول عمّا أكونه. أما القلق الزائف، فهو قلق الاستهلاك، قلق المقارنة السطحية، قلقٌ لا يوقظ الفكر بل يخدّره.
وقد أشار مارتن هايدغر إلى القلق باعتباره حالة يكشف فيها الإنسان عن تفاهة الأشياء من حوله، وانكشافه على ذاته ككائن نحو الموت. أما القلق الزائف، فيغرق الإنسان في تفاهاتٍ جديدة، ويُشغله بتوافه لا تؤدي إلى أي كشف، بل تُعيد إنتاج الغفلة بأسلوب عصريّ.
صُنع القلق في مصانع السوق والعُروض:
في هذا الزمان، صار الإنسان يُقلق نفسه لا لأنه يعيش أزمة وجود، بل لأنه لم يشترِ ما يكفي، أو لم يُشاهد كل المسلسلات، أو لم يُسافر مثل أقرانه. قلقُ الهوية بات مرتبطًا بالحسابات الإلكترونية، لا بأسئلة المصير. وقد عبّر جان بودريار عن هذا المعنى في نقده للمجتمع ما بعد الحداثي حين أشار إلى “هيمنة الصور على الواقع”، وإلى أن الإنسان لم يعد يعيش الحقيقة بل “محاكاة الحقيقة”.
فالقلق الزائف هو قلق المظهر، لا الجوهر. وهو ما وصفه إريك فروم بـ”اللاوجود المزخرف”، حيث يركض الإنسان من صورة إلى أخرى، ومن نموذج إلى آخر، دون أن يجد نفسه، لأنه لا يعيش ذاته بل يعيش ما يُفرض عليه من الخارج.
القلق كموضة فكرية:
في عالم المثقفين أيضًا، تسلّل القلق الزائف ليصبح نوعًا من “الزينة الوجودية”، حيث يُمارَس القلق كاستعراض ذهني لا كمعاناة حقيقية. وقد نبّه ألبير كامو من هذا الخطر في سياق تأملاته في “اللامعقول”، حين فرّق بين التمثيل الوجودي للقلق، وبين الموقف الصادق من العبث.
فالقلق ليس أن تتكلم عن الغربة، بل أن تعيشها حتى نهايتها. وليس أن تكتب عن الموت، بل أن تطرحه في داخلك كسؤال لا مفرّ منه. وكل قلقٍ لا يطرح سؤال المعنى، ولا يفتح الإنسان على حريته ومسؤوليته، هو مجرد صدى لا يوقظ ولا يحرّك.
صناعة القلق في النظام النيوليبرالي:
لقد تحوّل القلق إلى أداة تسويق. فكلما شعر الإنسان بنقصٍ، أو بدا له أن الآخرين أكثر “سعادةً”، صار أكثر قابليّة للاستهلاك. تُصنع الإعلانات لتخلق لديك قلقًا: من جسدك، من عمرك، من مظهرك، من رزقك، من علاقاتك. ثم يُباع لك الوهم كحلّ.
وقد أشار زيغمونت باومان إلى هذا في كتابه “الحداثة السائلة”، حيث وصف كيف أصبح الإنسان يعيش علاقات سائلة، وقيمًا سائلة، وهويات قابلة للذوبان، ما يجعله في حالة قلقٍ دائم دون أن يعرف لماذا.
الخلاص من القلق الزائف: العودة إلى الأصالة:
لا يُمكن التخلص من القلق الزائف إلا بوعي عميق بطبيعته. لا بد من العودة إلى الذات، إلى عمق الأسئلة، لا إلى صدًى مزيّفٍ لها. والسبيل إلى ذلك ليس العزلة السلبية، بل المجاهدة العقلية التي تُعيد ربط الإنسان بجذوره الوجودية.
يقول جبران خليل جبران:
“إنك إذا بلغتَ عمقَ قلبكَ، وجدتَ أنك تنظرُ إلى قلبِ كلِّ الكائنات.”
وهذا هو جوهر الخلاص من القلق الزائف: أن لا تبحث عن ذاتك في مرآة الآخرين، بل في عمقك الحقيقي، في وحدتك الصامتة، في أسئلتك التي لا تُقلَّد.
خاتمة: من الزيف إلى الكشف.
القلق الزائف ليس دليلًا على رهافةٍ وجودية، بل على تشوّه في إدراك القيمة. ومثلما يمكن للفراغ أن يُضرم صوتًا وهميًّا، يمكن لغياب المعنى أن يملأ الحياة بضجيجٍ لا يُنتج شيئًا.
فإن أردنا الخلاص، فلا بد من التمييز بين القلق الذي يولّد معرفةً وتحوّلًا، وبين القلق الذي يستهلكنا ويُشبه صرخةً بلا صدى.
وفي زمن الضجيج، فإن القلق الحقيقي هو الذي يصمت لينصت، ويفكّر ليحيا، ويهتزّ ليولد من جديد.







