جاري التحميل...

سألوني… كيف حالك اليوم؟

سألوني كيف حالك اليوم؟

فابتسمت وقلت:

لست أنا من يجيب…

بل الفلسطيني الذي يسكنني.

ذلك الفلسطيني الذي يعيش كل يومٍ بين حدَّين لا يلتقيان…

بين جزءٍ يواجه…

وجزءٍ ينهار.

جزءٌ بلون العتمة التي أثقلتها السنوات…

وجزءٌ ما زال يخبئ في جيبه شيئًا من ضوء النهار.

جزءٌ يتحدى الدنيا كلها وكأنه جبل…

وجزءٌ يتألم بصمتٍ لا يسمعه أحد.

جزءٌ من الروح صار مجرد صدى لأسماءٍ وأماكن وذكريات…

وجزءٌ آخر ما زال يلمع، كشمعةٍ صغيرة ترفض أن تنطفئ رغم الريح.

في داخلنا شيءٌ لا يزال ينتظر…

ينتظر خبرًا جميلًا…

انفراجةً قريبة…

صباحًا أقل وجعًا…

ووطنًا أقل تعبًا.

وفي داخلنا أيضًا شيءٌ آخر…

تعب من الانتظار حتى كاد ينسى ماذا كان ينتظر أصلًا.

جزءٌ يقول لنا كل صباح:

ما زلتم قادرين…

وأنتم أبناء الأرض والحكاية والصبر الطويل.

وجزءٌ آخر يصرخ في أعماقنا:

لقد أتعبتنا الحياة…

وأتعبتنا الخيبات…

وأتعبتنا السنوات التي مرّت أثقل مما ينبغي.

ثم نكتشف أن هذا ليس شعور شخصٍ واحد…

بل شعور شعبٍ كامل.

شعبٌ يعيش واقفًا رغم كل ما يدعوه للانحناء.

شعبٌ يحمل فوق كتفيه من الوجع ما يكفي لإسقاط أممٍ بأكملها…

ومع ذلك يخرج كل صباح ليزرع الأمل من جديد.

هكذا هو الفلسطيني.

نصفه جرح…

ونصفه وطن.

نصفه تعب السنين…

ونصفه عناد الزيتون.

نصفه دمعةٌ تخشى السقوط…

ونصفه ابتسامةٌ تصر على البقاء.

ولهذا…

لو سألتم الفلسطيني مرةً أخرى:

كيف حالك اليوم؟

فربما سيجيبكم:

في داخلي جزءٌ ما زال يواجه…

وجزءٌ ما زال ينهار…

جزءٌ يسكنه الليل…

وجزءٌ يحرس آخر ما تبقى من النهار…

جزءٌ يقول: لقد تعبت…

وجزءٌ آخر ينهض كل صباح ليقول:

لكن الوطن يستحق.

وفي النهاية…

لا ينتصر فينا الجزء الذي يتعب…

ولا الجزء الذي يبكي…

ولا حتى الجزء الذي ينتظر…

بل ينتصر دائمًا ذلك الجزء الصغير العنيد…

الذي مهما أثقلته الأيام…

ومهما أوجعته الخيبات…

ومهما أحاطت به العتمة…

يبقى متمسكًا بـ فلسطين كمن يتمسك بقلبه.

ذلك الجزء هو الذي أبقانا هنا…

وهو الذي سيحمل الحكاية إلى آخر الطريق.