جاري التحميل...

من الدولة إلى الغنيمة: تشريح البنية العميقة للفساد السياسي

ليس الفساد، في المجتمعات التي تعاني اختلالًا بنيويًا في علاقتها بالدولة، مجرد جريمة اقتصادية أو مخالفة قانونية أو انحراف أخلاقي يمكن معالجته ببعض التشريعات والإجراءات الإدارية، بل هو نسقٌ شامل لإدارة السلطة، ومنطقٌ لإعادة إنتاج النفوذ، وفلسفةٌ غير معلنة للحكم. إنه البنية التي تتقاطع فيها المصالح السياسية مع الامتيازات الاقتصادية، ويتداخل فيها المال مع الإعلام، والثقافة مع الدعاية، والإدارة مع شبكات الولاء، حتى يغدو الفساد هو القاعدة التي تنتظم حولها مؤسسات الدولة، لا الاستثناء الذي يهددها.

إن كثيرًا من دول العالم الثالث لم تُنتج الفساد بوصفه عرضًا عابرًا، وإنما جعلت منه جزءًا من هندسة السلطة ذاتها. فالاستبداد لا يكتفي بإلغاء الحريات، بل يحتاج إلى اقتصادٍ تابع، وقضاءٍ منزوع الإرادة، وإعلامٍ منزَّه عن الحقيقة، ونخبٍ ثقافية تُتقن تبرير الخراب أكثر مما تُجيد فضحه. ومن هنا يتحول الفساد إلى منظومة متكاملة تتغذى من ذاتها، وتحمي نفسها بنفسها، بحيث يصبح الاقتراب منها اقترابًا من شبكة مترابطة من المصالح، لا من أفراد متفرقين.
إن الدولة الحديثة، كما تصورها فلاسفة السياسة من جون لوك إلى هيغل وماكس فيبر، تقوم على الفصل بين السلطة بوصفها وظيفةً مؤقتة، والدولة بوصفها كيانًا قانونيًا دائمًا. غير أن هذا الفصل ينهار في الأنظمة الريعية والاستبدادية، فتبتلع السلطة الدولة، وتتحول المؤسسات إلى أدوات شخصية، ويغدو القانون تابعًا لإرادة الحاكم بدل أن يكون مرجعًا للحاكم والمحكوم معًا.
عند هذه النقطة يفقد الجهاز الإداري حياده، ويتحول الاقتصاد إلى وسيلة لإعادة توزيع الامتيازات على أهل الولاء، ويصبح الإعلام مصنعًا لإنتاج الرواية الرسمية، بينما تُفرغ الثقافة من بعدها النقدي لتتحول إلى زينة احتفالية تُمجّد السلطة أكثر مما تُنير المجتمع. وحتى الرياضة والفنون والسياحة والتعليم لا تبقى خارج هذه المنظومة، بل تُدمج في آلة الهيمنة بوصفها أدوات لصناعة الرضا الجماهيري وإعادة إنتاج الشرعية.
لقد أشار عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر إلى أن الدولة الحديثة تحتكر العنف المشروع في إطار القانون، لكن السلطة الفاسدة تحتكر القانون نفسه، وتعيد تأويله بما يخدم مصالحها، فتتحول الشرعية إلى امتياز سياسي، لا إلى قيمة دستورية. أما أنطونيو غرامشي فقد نبّه إلى أن الهيمنة لا تُمارس بالقوة وحدها، بل بإنتاج الوعي أيضًا، وهو ما تفعله الأنظمة الفاسدة حين تصوغ خطابًا يجعل الطاعة فضيلة، والنقد خيانة، والسكوت حكمة، والتبعية وطنية.
ومن هنا لا يعود الفساد مجرد نهبٍ للمال العام، بل يصبح عمليةً منظمة لإعادة تشكيل المجتمع. فهو يبدل سلّم القيم، ويستبدل الاستحقاق بالمحسوبية، والكفاءة بالولاء، والمواطنة بالعصبية، حتى يغدو النجاح رهين القرب من السلطة لا جودة العمل، وتصبح المؤسسات فضاءات لتوزيع الغنائم لا لإنتاج العدالة والخدمة العامة.
ولعل أخطر ما يميز هذه البنية أنها تستمد جزءًا كبيرًا من قوتها من الإرث التقليدي الذي لم يُهضم داخل مشروع الدولة الحديثة. فالعلاقات القبلية والعشائرية والزبائنية لا تختفي، بل يعاد إنتاجها داخل أجهزة الدولة نفسها، فتلبس لباسًا بيروقراطيًا يخفي جوهرها التقليدي. وهكذا تتحول الدولة إلى امتداد للعائلة السياسية أو الجماعة النافذة، بينما تُختزل الوطنية في الولاء للنظام، لا في الإخلاص للوطن.
وليس من قبيل المصادفة أن تلجأ هذه الأنظمة إلى استدعاء الخطابات الدينية والقومية والوطنية كلما تعاظمت أزماتها. فحين تعجز عن إنتاج الشرعية بالإنجاز، تبحث عنها في الشعارات. وحين تفشل في تحقيق العدالة، تستعيض عنها بخطاب المؤامرة. وحين يتسع الفقر، تُطالب الناس بالصبر باسم الوطنية، بينما تتضخم امتيازات النخبة الحاكمة باسم حماية الدولة.
وقد أدرك الفيلسوفة السياسية حنة آرندت أن أخطر أشكال الاستبداد هو ذاك الذي يجعل الكذب جزءًا من الحياة اليومية، ويطمس الحدود بين الحقيقة والدعاية. وهذا ما يفعله الفساد المنظم؛ إذ لا يكتفي بسرقة الثروة، بل يسرق اللغة أيضًا، فيصبح النهب تنمية، والقمع استقرارًا، والخوف أمنًا، والطاعة إجماعًا.
إن المأساة الكبرى لا تكمن في أن الدولة تضعف بفعل الفساد، بل في أن الفساد يعيد تعريف الدولة نفسها، فتتحول من مؤسسة لتحقيق الخير العام إلى شركة مغلقة لإدارة المصالح الخاصة. وعندما يحدث ذلك، يفقد المواطن ثقته بالقانون، وتتآكل فكرة العدالة، ويتراجع الانتماء الوطني ليحل محله منطق النجاة الفردية والانكفاء على العصبيات الأولية.
إن معركة مكافحة الفساد ليست معركة محاكم وهيئات رقابية فحسب، وإنما هي مشروع ثقافي وحضاري طويل النفس، يبدأ بإعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء المؤسسات، وبترسيخ ثقافة المساءلة قبل إصدار القوانين، وبإحياء العقل النقدي قبل إصلاح الإدارة. فلا ديمقراطية بلا مواطن حر، ولا دولة حديثة بلا قانون مستقل، ولا تنمية حقيقية في ظل اقتصاد تحكمه شبكات الاحتكار والولاء.
إن الدول لا تنهار حين تفتقر إلى الموارد، وإنما تنهار حين تتحول السلطة فيها إلى غاية، والدولة إلى غنيمة، والمواطن إلى تابع. وحينئذٍ يصبح الإصلاح مستحيلًا ما لم يُستعد المعنى الأصلي للدولة بوصفها عقدًا أخلاقيًا وسياسيًا بين مواطنين أحرار، لا مزرعةً تتقاسمها مراكز النفوذ.
ولعل المهمة الأولى لأي مشروع نهضوي عربي لا تكمن في تغيير الحكومات فحسب، بل في تغيير الثقافة السياسية التي تجعل الفساد قابلًا للحياة، والاستبداد قابلًا للتوارث، والصمت فضيلةً عامة. فالأمم لا تبني مستقبلها بالولاءات الضيقة، وإنما تبنيه بسيادة القانون، واستقلال المؤسسات، وحرية الفكر، والعدالة التي تجعل الدولة وطنًا للجميع، لا غنيمةً لفئة .