جاري التحميل...

المواطنة بين الحق والهوية: في راهنية المفهوم وجذوره الحضارية:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليست المواطنة مجرّد انتماء جغرافيّ أو حملٍ لوثيقةٍ تُدعى جنسية، بل هي مفهومٌ مركّب، متشعّب الجذور والدلالات، يلامس البُنى السياسية والاقتصادية والثقافية والرمزية للمجتمعات. وفي مجتمعات تعيش ارتجاجاتٍ مستمرّة في بنيتها السياسية وهويتها الثقافية، كحال عالمنا العربي، يغدو سؤال المواطنة سؤالاً وجوديًّا، يتجاوز بُعده القانوني إلى بُعد فلسفيّ – قيميّ، واجتماعيّ – تحوّلي، يُعيد النظر في العلاقة بين الفرد والدولة، وبين الجماعة والهوية.

–أولاً: في تأصيل المفهوم: بين اللغة والمعنى والتحوّل.
المواطنة لغةً مأخوذة من الجذر “و-ط-ن”، أي من الوطن، وهي تحيل إلى الإقامة والمعايشة والمشاركة ضمن حيّز جغرافيّ معيّن، لكنها في الفلسفة السياسية ليست مجرد إقامة، بل تعني الفعل الحرّ في فضاء عامّ مشترك، تؤسّسه المساواة في الحقوق والواجبات. فالمواطن ليس تابعاً بل فاعلٌ حقوقيّ، يملك حقّ مساءلة السلطة، والمشاركة في القرار، على خلاف ما كان سائدًا في النظم التقليدية التي تختزل الولاء في الطاعة.
وقد مرّ مفهوم المواطنة بمخاضٍ تاريخيّ طويل، ابتدأ جنينياً في “البوليس” اليونانية، حيث كانت المواطنة حكرًا على الذكور الأحرار، واستُثني منها العبيد والنساء والغرباء. إلا أن ولادتها الحقيقية، بمعناها السياسيّ الحداثي، جاءت مع فلاسفة العقد الاجتماعي أمثال توماس هوبز، وجان جاك روسو، ومونتسكيو، الذين نقلوا فكرة الانتماء من رابطة الدم أو الطائفة إلى رابطة القانون والمؤسسات، حيث يُصبح المواطن عضواً حرّاً في “جسد الدولة”، لا مجرّد رعيّة.
– ثانياً: المواطن بين الحقّ والدولة: كيف صار الفرد ذاتاً قانونية؟
مع تشكّل الدولة الحديثة في أوروبا، وتحوّلها إلى كيان سياديّ يحتكر العنف والقرار ضمن حدود مرسومة، ظهر مفهوم المواطن كفاعل يمتلك حقوقاً لا يُمكن التنازل عنها، أو مصادرتها من قبل الدولة. وقد كرّست الثورة الفرنسية هذه القطيعة، بإعلانها “حقوق الإنسان والمواطن” عام 1789، التي تُعدّ اللحظة التأسيسية للمواطنة الحقوقية، والتي وجدت لاحقاً تجلّياتها الكونية في “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” عام 1948.
بهذا المعنى، لم تعد المواطنة مجرّد وضع قانوني، بل أصبحت إطاراً أخلاقيًّا وسياسيًّا يُكرّس الكرامة الإنسانية، ويجعل من الدولة خادمةً لا متسلّطة، ويمنح المواطن الحقّ في أن يكون “حرّاً ومساوياً” في الحقوق بصرف النظر عن معتقده أو أصله أو جنسه. فالمواطنة لا تساوي الولاء الأيديولوجي، بل الولاء للدستور والعيش المشترك ضمن تعاقد مدنيّ جامع.

–ثالثاً: الوطن كمخيال جامع: من الذاكرة إلى المؤسسة.
الوطن، في هذا السياق، لم يعد مجرد تراب، بل تحوّل إلى ذاكرةٍ جمعية، ومخيال رمزيّ، ومجالٍ سياديّ يتأسّس على مفهوم المواطنة، لا على رابطة الدم أو الطائفة. فالدولة الحيادية، غير المؤدلجة، هي وحدها القادرة على أن تكون وطناً فعليّاً لكلّ أبنائها، دون تمييز أو قمع.
أما الدول المؤدلجة – سواء كانت دينية، قومية، أو شمولية – فإنها تُقصي المختلف، وتصنّف المواطنين تبعاً لمواقفهم أو انتماءاتهم، لا تبعاً لمبدأ المساواة القانونية. ولهذا فإن المواطنة لا يمكن أن تتنفس إلّا في فضاء ديمقراطي، تعدديّ، يحترم الحقوق، ويؤمن بالاختلاف باعتباره ثروة لا تهديداً.
يقول الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في سياق تأصيله لمفهوم “الوطن الدستوري”:
“لا يُبنى الانتماء على الماضي وحده، بل على الإرادة المشتركة للعيش معاً وفق مبادئ العدالة والحرية والمساواة، أي وفق دستور جامع لا يمارس الإقصاء.”
— رابعاً: هل تجسّدت المواطنة في ثورات “الربيع العربي”؟
عندما اندلعت ثورات الربيع العربي، كان أحد مطالبها الجوهريّة هو الانتقال من “الرعايا” إلى “المواطنين”، من دولة الطغيان إلى دولة الحقوق. غير أن هذه الثورات اصطدمت بغياب ثقافة المواطنة في البُنى التحتية للمجتمعات، وبسطوة الولاءات ما قبل وطنية: الطائفية، القبلية، والعشائرية، فسرعان ما أُجهض الحلم المدنيّ.
ولم تكن الثورة السورية استثناءً، فقد طرحت شعار “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”، في محاولةٍ لتأسيس مواطنة جامعة تتجاوز التقسيمات الطائفية، لكنها سرعان ما واجهت تحدي تفكك الهوية الوطنية لصالح الهويات الجزئية، وسط انسحاب مؤسسات الدولة، وتحوّلها إلى أداة قمع بدلاً من أن تكون ضامناً للحقّ العام.
يقول الفيلسوف المغربي عبد الله العروي:
“لا يمكن بناء مواطنة دون دولة حديثة، ولا دولة حديثة دون وعي تاريخيّ بالمواطنة.”
–خامساً: المواطنة كأفق تحرّر: نحو مشروع مدنيّ جامع.
إنّ المواطنة اليوم ليست ترفاً فكريًّا أو عنوانًا قانونيًّا فقط، بل مشروع تحوّليّ في عمق البنية الثقافية والاجتماعية، يتطلب إعادة بناء الدولة على قاعدة الحياد الدستوري، والاعتراف بالتعددية، وحماية الفضاء العام من التطييف والتسليع والأدلجة. المواطنة الحقيقية هي التي تحوّل الفرد من كائن طائفيّ أو عرقيّ أو أيديولوجيّ، إلى إنسان قانونيّ، حرّ، وفاعل، يعيش ضمن مجتمع يحتكم إلى العقل والمؤسسات.
–خاتمة:
إنّ مفهوم المواطنة، كما بيّنا، ليس منجزاً ناجزاً، بل سيرورةً تاريخيةً مستمرة، تتجدّد بتجدّد الشروط الثقافية والسياسية للمجتمع. وهو، في منطقتنا العربية، لا يزال مشروعاً مؤجّلاً، يقف عند تخوم الصراع بين الحداثة والتقليد، بين الدولة الوطنية والدولة الزبائنية، وبين الهوية الجامعة والهويات المتصارعة.
ولعلّ السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح:
هل لدينا في الموروث العربي–الإسلامي ما يمكن أن يشكّل لبنةً لتأسيس ثقافة المواطنة؟
أم أن المطلوب هو قطيعةٌ إبستمولوجية مع الموروث، من أجل ابتكار حداثتنا الخاصة؟