جاري التحميل...

عيد الجيش الشعبي الوطني.. ستة عقود من الوفاء لرسالة نوفمبر وبناء قوة الجزائر الشاملة

بن معمر الحاج عيسى

لا يمثل الرابع من أوت مجرد محطة في الروزنامة الوطنية الجزائرية، بل يعد مناسبة تستحضر فيها الأمة الجزائرية واحدة من أهم المؤسسات التي ارتبط تاريخها بتاريخ الدولة الحديثة، وهي مؤسسة الجيش الشعبي الوطني، وريث جيش التحرير الوطني، الذي صنع ببطولات رجاله ونسائه ملحمة التحرير الكبرى، وقدم ملايين الشهداء من أجل أن تستعيد الجزائر سيادتها واستقلالها. ويأتي الاحتفال بعيد الجيش الشعبي الوطني كل عام ليجدد العهد مع قيم ثورة أول نوفمبر 1954، ويؤكد استمرار المؤسسة العسكرية في أداء رسالتها الدستورية المتمثلة في حماية الوطن والدفاع عن وحدته الترابية وسيادته الوطنية، في ظل عالم يشهد تحولات أمنية وجيوسياسية متسارعة.

لقد نشأ الجيش الشعبي الوطني من رحم الكفاح التحرري، إذ شكل جيش التحرير الوطني الذراع العسكرية لجبهة التحرير الوطني، وقاد واحدة من أعظم الثورات في القرن العشرين ضد الاستعمار الفرنسي الذي جثم على أرض الجزائر لأكثر من 132 سنة. وخلال حرب التحرير، سطر المجاهدون ملاحم خالدة في التضحية والصمود، رغم الفارق الكبير في الإمكانات العسكرية، ليبرهنوا أن إرادة الشعوب أقوى من آلة الاحتلال. ومع استرجاع السيادة الوطنية في الخامس من جويلية 1962، كان لزامًا على الدولة الجزائرية الفتية أن تؤسس جيشًا وطنيًا حديثًا يحافظ على مكاسب الاستقلال ويصون أمن البلاد، فكان الرابع من أوت 1962 محطة مفصلية في إعادة تنظيم قوات جيش التحرير الوطني ضمن مؤسسة حملت اسم الجيش الشعبي الوطني.

ومنذ ذلك التاريخ، ارتبطت العقيدة العسكرية الجزائرية بمبادئ ثابتة، في مقدمتها حماية السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام الشرعية الدولية، ودعم حق الشعوب في تقرير مصيرها. وهي مبادئ استمدت روحها من تجربة الجزائر التاريخية مع الاستعمار، ومن القيم التي قامت عليها ثورة التحرير، لتصبح لاحقًا أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية الجزائرية.

ولم تكن السنوات الأولى للاستقلال سهلة على الإطلاق، فقد واجهت الجزائر تحديات سياسية واقتصادية وأمنية جسيمة، في ظل نقص الكفاءات وهشاشة البنى التحتية التي خلفها الاستعمار. وفي تلك الظروف، كان الجيش الشعبي الوطني أحد الأعمدة الرئيسية التي استندت إليها الدولة لبناء مؤسساتها، فساهم في حفظ الأمن، وتأمين الحدود، والمشاركة في مشاريع التنمية الوطنية، بما في ذلك شق الطرقات، وإنجاز السدود، وفك العزلة عن المناطق النائية، وهي أدوار عكست مفهومًا واسعًا للأمن الوطني لا يقتصر على البعد العسكري فقط.

ومع مرور السنوات، حرصت القيادة الجزائرية على تطوير المؤسسة العسكرية وفق رؤية تجمع بين الاحترافية والانضباط والتكوين المستمر. فتم إنشاء المدارس والأكاديميات العسكرية، وتحديث مناهج التدريب، وإعداد أجيال من الضباط والإطارات المؤهلة علميًا وتقنيًا، بما يواكب التطور المتسارع في العلوم العسكرية. وأصبحت الكفاءة والتكوين المستمر عنصرين أساسيين في بناء جيش قادر على التعامل مع مختلف التهديدات التقليدية وغير التقليدية.

وخلال عقد التسعينيات، وجدت الجزائر نفسها أمام واحدة من أخطر المحطات في تاريخها الحديث، بعدما تعرضت لموجة إرهاب دامية استهدفت مؤسسات الدولة وأمن المواطنين. وفي تلك المرحلة، تحمل الجيش الشعبي الوطني، إلى جانب مختلف الأسلاك الأمنية، مسؤولية ثقيلة في الدفاع عن الجمهورية وحماية الشعب. وقد دفع ثمنًا باهظًا من دماء أبنائه الذين سقطوا شهداء في مواجهة الجماعات الإرهابية، إلا أن إصراره على حماية الدولة ووحدة المجتمع كان عاملًا حاسمًا في استعادة الأمن والاستقرار، لتتحول التجربة الجزائرية لاحقًا إلى مرجع في مكافحة الإرهاب، يستفيد منها العديد من الشركاء الإقليميين والدوليين.

وبعد القضاء على أغلب مظاهر الإرهاب الداخلي، دخل الجيش الشعبي الوطني مرحلة جديدة عنوانها التحديث والتأهيل. فقد شهدت القوات المسلحة برامج واسعة لتطوير مختلف فروعها البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي عن الإقليم، مع التركيز على إدماج التكنولوجيا الحديثة في أنظمة القيادة والسيطرة والاستطلاع والاتصالات، بما يعزز الجاهزية العملياتية ويرفع من كفاءة الأداء في مواجهة التهديدات المستجدة.

ولأن الجزائر تمتلك حدودًا برية تعد من الأطول في القارة الإفريقية، تمتد على آلاف الكيلومترات مع عدة دول، فقد أصبحت حماية الحدود إحدى الأولويات الإستراتيجية للمؤسسة العسكرية. وتضاعفت أهمية هذه المهمة مع تصاعد الاضطرابات الأمنية في منطقة الساحل، وانتشار الجماعات الإرهابية وشبكات تهريب الأسلحة والمخدرات والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة العابرة للحدود. وفي هذا السياق، كثف الجيش الشعبي الوطني انتشاره على الشريط الحدودي، مستفيدًا من وسائل المراقبة الحديثة والقدرات الاستخباراتية، بما أسهم في إحباط العديد من محاولات التسلل والتهريب وحماية الأمن الوطني.

ولم يقتصر دور الجيش الشعبي الوطني على المهام القتالية والأمنية، بل ظل حاضرًا بقوة في مختلف عمليات التضامن الوطني. ففي كل مرة تشهد فيها الجزائر فيضانات أو حرائق غابات أو زلازل أو حوادث كبرى، تكون وحدات الجيش في طليعة المتدخلين، حيث تسخر إمكاناتها البشرية واللوجستية لإنقاذ الأرواح وإجلاء المتضررين وإيصال المساعدات، وهو ما يعكس العلاقة الوثيقة بين الجيش والشعب، ويجسد شعار المؤسسة العسكرية: “مع الشعب ولأجل الشعب”.

وفي السنوات الأخيرة، برزت الصناعات العسكرية الوطنية باعتبارها أحد محاور التطوير الإستراتيجي، إذ اتجهت الجزائر إلى تعزيز قدراتها الإنتاجية في عدد من المجالات، بما يدعم الاكتفاء الذاتي ويرفع من جاهزية القوات المسلحة، مع نقل الخبرات وتكوين الكفاءات الوطنية، بما ينسجم مع رؤية الدولة الرامية إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وتعزيز السيادة الوطنية في القطاعات الحيوية.

إذا كانت المؤسسة العسكرية الجزائرية قد نجحت في تثبيت الأمن الداخلي واستعادة الاستقرار خلال العقود الماضية، فإن المرحلة الراهنة تفرض عليها تحديات أكثر تعقيدًا، تتجاوز المفهوم التقليدي للحروب والنزاعات. فالعالم اليوم يشهد تحولات عميقة في طبيعة التهديدات، حيث أصبحت الهجمات السيبرانية، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والإرهاب الدولي، والهجرة غير النظامية، والاتجار بالأسلحة والمخدرات، من أبرز المخاطر التي تستوجب جاهزية دائمة وقدرات متطورة. ومن هذا المنطلق، انتهج الجيش الشعبي الوطني إستراتيجية شاملة لتحديث مختلف تشكيلاته، مع الاعتماد على أحدث الوسائل التكنولوجية في الرصد والاستطلاع والاتصال والقيادة والسيطرة.
وقد شمل هذا التحديث القوات البرية والجوية والبحرية، إلى جانب قوات الدفاع الجوي عن الإقليم، مع تطوير وسائل النقل العسكري، وأنظمة المراقبة الإلكترونية، والطائرات دون طيار، والوسائل الحديثة الخاصة بحماية الحدود الشاسعة التي تمتد على آلاف الكيلومترات. كما تم الاستثمار في العنصر البشري، باعتباره حجر الزاوية في أي مؤسسة عسكرية ناجحة، من خلال الارتقاء بمستوى التكوين الأكاديمي والعلمي، وتطوير المدارس العسكرية، وإرسال البعثات للتكوين والتدريب، بما يضمن مواكبة التطورات المتسارعة في العلوم العسكرية والتكنولوجية.
ويولي الجيش الشعبي الوطني أهمية كبيرة للبحث العلمي والابتكار، حيث أصبحت الصناعات العسكرية الوطنية جزءًا من الرؤية الإستراتيجية للدولة الجزائرية الرامية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في عدد من المجالات الحيوية. وقد شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في إنشاء وحدات إنتاج وتجميع وصيانة العتاد العسكري، إلى جانب تصنيع بعض المعدات والذخائر ووسائل النقل الخاصة، بما يعزز القدرات الوطنية ويقلص الاعتماد على الخارج، فضلاً عن توفير مناصب عمل ونقل الخبرات والتكنولوجيا إلى الكفاءات الجزائرية.
كما أصبح الأمن السيبراني يحتل مكانة متقدمة ضمن أولويات المؤسسة العسكرية، بالنظر إلى التزايد المستمر للهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنى التحتية الحيوية للدول. ولهذا تعمل الجزائر على تطوير قدراتها في مجال حماية الأنظمة المعلوماتية وتأمين شبكات الاتصال العسكرية، مع تكوين مختصين قادرين على مواجهة هذا النوع من التهديدات الذي بات يشكل أحد أبرز تحديات الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين.
وعلى الصعيد الإقليمي، تواجه الجزائر بيئة أمنية معقدة، خاصة في منطقة الساحل والصحراء، التي تعرف انتشارًا للجماعات الإرهابية المسلحة، وشبكات تهريب البشر والأسلحة والمخدرات، إضافة إلى تداعيات الأزمات السياسية في بعض دول الجوار. وقد فرضت هذه المعطيات على الجيش الشعبي الوطني تعزيز انتشاره على الحدود، وتكثيف عمليات المراقبة والاستطلاع، مع اعتماد مقاربة استباقية تقوم على منع أي تهديد قبل وصوله إلى التراب الوطني.
وتحرص الجزائر في هذا الإطار على التوفيق بين حماية أمنها القومي واحترام سيادة الدول المجاورة، انطلاقًا من عقيدتها الثابتة القائمة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتفضيل الحلول السياسية والسلمية للنزاعات. ولذلك تواصل دعم الجهود الدولية والإفريقية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الساحل، مع التأكيد على أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تنجح إلا من خلال معالجة أسبابه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وإلى جانب مهامه الدفاعية، يضطلع الجيش الشعبي الوطني بأدوار إنسانية واجتماعية بارزة. ففي كل مرة تتعرض فيها الجزائر لحرائق الغابات أو الفيضانات أو الزلازل أو غيرها من الكوارث الطبيعية، تسارع وحداته البرية والجوية إلى التدخل لإنقاذ الأرواح وإجلاء السكان ونقل المساعدات، مستفيدة من إمكاناتها اللوجستية الكبيرة وخبرتها الميدانية. وقد ساهم هذا الدور في ترسيخ صورة الجيش كمؤسسة قريبة من المواطن، لا يقتصر دورها على حماية الحدود، بل يمتد إلى حماية الإنسان في مختلف الظروف.
كما يشارك الجيش الشعبي الوطني في حملات التبرع بالدم، والمبادرات التضامنية، ودعم المناطق المتضررة من الكوارث، إضافة إلى مساهمته في تأمين الامتحانات الوطنية، والانتخابات، والتظاهرات الدولية الكبرى التي تحتضنها الجزائر، بالتنسيق مع مختلف مؤسسات الدولة، وهو ما يعكس مفهوم الأمن الشامل الذي تتبناه الجزائر في مواجهة التحديات المختلفة.
وعلى المستوى الدولي، تحظى المؤسسة العسكرية الجزائرية باحترام واسع بفضل احترافيتها والتزامها بالقانون الدولي، كما تشارك في عدد من المناورات والتدريبات المشتركة، وتستقبل وفودًا عسكرية من مختلف دول العالم، في إطار تبادل الخبرات وتعزيز التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب والأمن البحري وحماية الحدود. ويعكس هذا التعاون المكانة التي أصبحت تحتلها الجزائر كشريك موثوق في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين.
إن ما حققه الجيش الشعبي الوطني خلال العقود الماضية لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة رؤية إستراتيجية تقوم على التحديث المستمر، والاستثمار في الإنسان، وتعزيز الجاهزية، والتمسك بالقيم الوطنية التي أرساها جيش التحرير الوطني. وهي رؤية جعلت المؤسسة العسكرية قادرة على التكيف مع مختلف المتغيرات، دون أن تحيد عن رسالتها الأساسية المتمثلة في حماية الجزائر والدفاع عن سيادتها واستقلالها.
ويكتسب الاحتفال بعيد الجيش الشعبي الوطني هذا العام أهمية خاصة في ظل ما يشهده العالم من تغيرات جيوسياسية متسارعة، وصراعات إقليمية ودولية أعادت ترتيب أولويات الأمن والدفاع لدى مختلف الدول. فالجزائر، بحكم موقعها الجغرافي الإستراتيجي في قلب المغرب العربي وعلى بوابة الساحل الإفريقي والواجهة المتوسطية، تجد نفسها أمام مسؤولية مضاعفة في الحفاظ على أمنها القومي، وحماية حدودها، والمساهمة في استقرار محيطها الإقليمي، وهو ما يجعل من الجيش الشعبي الوطني ركيزة أساسية في تنفيذ هذه الرؤية.

وتقوم العقيدة العسكرية الجزائرية على مبدأ واضح وثابت يتمثل في الدفاع عن الوطن وسيادته، وعدم الانخراط في سياسات المحاور أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مع الالتزام بمبادئ حسن الجوار واحترام القانون الدولي. وقد أكسب هذا التوجه الجزائر مصداقية كبيرة في المحافل الإقليمية والدولية، وجعلها طرفًا يحظى بالاحترام في جهود الوساطة وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وهو ما ينسجم مع إرثها التاريخي كدولة ساندت حركات التحرر في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

وفي هذا السياق، يواصل الجيش الشعبي الوطني تطوير قدراته بما يتلاءم مع طبيعة التحديات المستقبلية، حيث لم تعد القوة العسكرية تقاس فقط بحجم العتاد، وإنما أيضًا بامتلاك المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على إدارة المعلومات واتخاذ القرار في الوقت المناسب. ولهذا تعمل المؤسسة العسكرية على توسيع برامج التكوين، وتشجيع البحث العلمي، والاستفادة من التطورات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والاتصالات، والأمن السيبراني، والطائرات دون طيار، وأنظمة القيادة والتحكم الحديثة.

ويشكل العنصر البشري أساس هذه المنظومة، إذ تحرص القيادة العسكرية على إعداد ضباط وإطارات وجنود يتمتعون بالكفاءة العلمية والانضباط والاحترافية، إلى جانب ترسيخ قيم الوطنية والولاء للوطن واحترام الدستور والقوانين. كما تواصل المدارس والأكاديميات العسكرية أداء دورها في تخريج أجيال قادرة على حمل المسؤولية ومواكبة التطورات التي يعرفها العالم العسكري.

ولم تغفل المؤسسة العسكرية الجانب الاجتماعي والإنساني، إذ تواصل تقديم الرعاية لمنتسبيها والمتقاعدين وذوي الحقوق، وتولي اهتمامًا خاصًا بعائلات الشهداء وذوي الاحتياجات الخاصة من أفرادها، وفاءً لمن قدموا أرواحهم في سبيل حماية الجزائر. كما تبقى ذكرى شهداء الثورة التحريرية وشهداء الواجب الوطني حاضرة في وجدان المؤسسة، باعتبارها مصدر إلهام للأجيال الجديدة، وتجسيدًا لمعنى التضحية والإخلاص للوطن.

ومن جهة أخرى، يظل الجيش الشعبي الوطني شريكًا رئيسيًا في جهود التنمية الوطنية، سواء من خلال مساهمته في إنجاز بعض المشاريع ذات الطابع الإستراتيجي، أو عبر دعمه لبرامج الحماية المدنية والإغاثة الإنسانية، وتسخير إمكاناته الجوية والبرية والبحرية عند وقوع الكوارث الطبيعية. وقد أثبتت التجارب أن سرعة تدخل وحدات الجيش في مواجهة الحرائق والفيضانات والزلازل والحوادث الكبرى كانت عاملًا حاسمًا في إنقاذ الأرواح والتخفيف من حجم الخسائر.

ويؤكد الخبراء في الشؤون الإستراتيجية أن استقرار الجزائر خلال العقود الماضية لم يكن ليتحقق لولا تكامل جهود مختلف مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش الشعبي الوطني الذي ظل يؤدي مهامه في إطار احترام الدستور والقوانين، محافظًا على جاهزيته لمواجهة مختلف التهديدات، سواء كانت تقليدية أو مستحدثة. كما أن مواصلة الاستثمار في التكوين والتحديث والتصنيع العسكري تمثل خيارًا إستراتيجيًا ينسجم مع التحولات التي يشهدها العالم، ويعزز مناعة الدولة وقدرتها على حماية مصالحها العليا.

وفي كل عام، يشكل عيد الجيش الشعبي الوطني فرصة لتجديد الاعتزاز بالعلاقة التاريخية التي تجمع الشعب بجيشه، وهي علاقة تعود جذورها إلى ثورة التحرير المجيدة، عندما كان جيش التحرير الوطني جزءًا لا يتجزأ من الشعب، يستمد قوته من التفاف الجزائريين حول قضية الاستقلال. وقد حافظ الجيش الشعبي الوطني على هذا الامتداد التاريخي، ليظل مؤسسة جمهورية تحظى باحترام المواطنين، وتواصل أداء واجبها في كنف الانضباط والاحترافية.

كما يمثل هذا العيد محطة لاستذكار التضحيات الجسام التي قدمها الشهداء والمجاهدون، ثم شهداء الواجب الوطني الذين رووا بدمائهم أرض الجزائر دفاعًا عن أمنها واستقرارها. وهي تضحيات تبقى راسخة في الذاكرة الوطنية، وتشكل مصدر فخر واعتزاز لكل الجزائريين، ورسالة للأجيال الجديدة بأن استقلال الوطن وسيادته لم يكونا منحة، بل ثمرة كفاح طويل وتضحيات عظيمة.

إن الاحتفاء بعيد الجيش الشعبي الوطني ليس مجرد احتفال بمؤسسة عسكرية، بل هو احتفاء بتاريخ أمة صنعت استقلالها بالإرادة والصمود، ورسخت قيم الوطنية والتضامن والوفاء. وهو أيضًا تجديد للعهد على مواصلة بناء جزائر قوية وآمنة ومزدهرة، قادرة على مواجهة مختلف التحديات، مستندة إلى شعبها وإلى جيشها الذي بقي، منذ نشأته وإلى اليوم، وفيًا لرسالة نوفمبر، وحارسًا أمينًا للسيادة الوطنية، وسندًا للدولة في مسيرة البناء والتنمية، وحصنًا منيعًا يحمي الوطن، ويصون وحدته، ويؤمن مستقبله في عالم لا مكان فيه إلا للدول القوية بمؤسساتها وشعوبها.

وفي الرابع من أوت، يقف الجزائريون بكل فخر وإجلال أمام تاريخ مؤسسة صنعت المجد في ميادين التحرير، وواصلت حمل الأمانة في ميادين البناء والدفاع، مؤكدين أن الجيش الشعبي الوطني سيبقى، كما كان دائمًا، مدرسة في الوطنية والانضباط والتضحية، ودرعًا يحمي الجزائر، وسيفًا يصون استقلالها، وامتدادًا طبيعيًا لجيش التحرير الوطني الذي كتب بدماء الشهداء أعظم صفحات تاريخ الأمة الجزائرية.