جاري التحميل...

الإشاعة… حين تتحول إلى خنجر في ظهر الوطن

بقلم :م.محمد علي العايدي

ليست كل رصاصة تُطلق من فوهة بندقية، وليست كل معركة تُخاض على خطوط التماس. ففي عصر الذكاء الاصطناعي وثورة الاتصالات، أصبحت الإشاعة قذيفة، والكلمة المضللة سلاحًا، والصورة المفبركة والملف الصوتي المركب أدوات حرب تستهدف العقول قبل الأجساد، والوعي قبل الجغرافيا.

إن أخطر ما يواجه القضية الفلسطينية اليوم ليس فقط ما يخططه الاحتلال من عدوان وسياسات، بل أيضًا كل خطاب أو ممارسة تُسهم في تمزيق النسيج الوطني عبر نشر الأكاذيب وتداول الأخبار غير الموثقة وتأجيج الانقسام. فالعدو يدرك أن شعبًا متماسكًا يصعب كسره، وأن إضعاف الثقة بين أبناء الشعب ومؤسساته يمنحه مكاسب لا يستطيع تحقيقها بالقوة وحدها.

لقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ميدانًا لحرب نفسية مفتوحة. حسابات مجهولة، وصفحات تبحث عن الإثارة، ومقاطع فيديو مجتزأة، وأصوات تُركَّب بتقنيات حديثة، وأخبار تُصاغ بعناية لتثير الغضب والشك والبلبلة. وما إن تنتشر حتى تصبح، في نظر البعض، حقائق لا تحتاج إلى دليل، بينما تكون الحقيقة أول الضحايا.

إن الاختلاف السياسي أمر طبيعي، والنقد المسؤول حق لا غنى عنه، لكن تحويل الخلاف إلى حملات تخوين أو نشر معلومات غير موثقة لا يخدم إلا من يريد إضعاف المجتمع. فالكلمة التي تُطلق دون تحقق قد تُحدث من الضرر ما لا تحدثه طلقة، لأنها تضرب الثقة وتزرع الشك وتوسع هوة الانقسام.

والاحتلال لا يحتاج إلى أن يصنع كل الإشاعات بنفسه؛ يكفيه أن يجد مجتمعًا يعيد تدويرها، ويمنحها الانتشار، ويجعلها مادة للتجاذب اليومي. فكل خبر كاذب يزرع الفتنة، وكل صورة مزيفة تُشعل الغضب، وكل تسجيل مفبرك يُستخدم لإثارة الانقسام، يمثل هدية مجانية لمن يسعى إلى إضعاف الموقف الفلسطيني وتشتيت الاهتمام عن جوهر القضية.

لقد علمتنا التجارب أن الأمم لا تُهزم فقط عندما تخسر معركة عسكرية، بل عندما تفقد بوصلتها الأخلاقية والإعلامية، وعندما تصبح الشائعة أقوى من الحقيقة، والانفعال أسرع من التحقق، والانقسام أسبق من الحكمة.

إن المسؤولية الوطنية اليوم لا تقتصر على من يحمل السلاح أو يتخذ القرار، بل تشمل كل من يحمل هاتفًا ذكيًا. فقبل أن تضغط زر “إعادة النشر”، اسأل نفسك: من المستفيد؟ هل المصدر موثوق؟ وهل أساهم في توضيح الحقيقة أم في زيادة الضباب؟

إن القضية الفلسطينية أمانة في أعناق الجميع، ولا يحميها إلا الوعي، ولا يقويها إلا التماسك، ولا يخدمها إلا خطاب مسؤول يرفض الكذب والتضليل، ويجعل الحقيقة فوق كل اعتبار.

فلنحذر من أن تتحول هواتفنا إلى منصات لنشر ما يفرق، أو أن تصبح أصابعنا أدوات لنقل ما لا نعلم صحته. فالكلمة موقف، والمعلومة مسؤولية، والوطن يستحق أن ندافع عنه بالصدق كما ندافع عنه بالصمود.

سيبقى الوعي الوطني هو الحصن الأخير، وستبقى الحقيقة أقوى من التضليل متى وجد من يصونها، لأن الأوطان لا تُبنى بالشائعات، بل بالحقائق، ولا تنتصر بالفرقة، بل بوحدة الصف، ورجاحة العقل، والالتزام بالمسؤوليه الوطنيه