ربما لست وحيدا…فتؤنسني الذكريات، وفتاة تعيش بداخلي، تجتاح خلاياي.بهذه العبارة أبدأ حديثي عن رواية جميلة، شيقة، رقيقة، ودافئة الحوارات، حملت بين صفحاتها قصة عشق نسجتها الكاتبة الفلسطينية من غزة، ختام محمد، بين مبدع مصري ومبدعة فلسطينية، فبدت الحكاية أكبر من مجرد حب، وأعمق من مجرد لقاء.
وكأن محمود درويش كان يمهد لهذه الرحلة حين قال: “عندما لا تستطيع أن تقترب، ولا أن تبتعد، ولا تستطيع أن تنسى، ولا أن تتجاوز، فأهلا بك في المنتصف المميت.” فجاءت ختام لتجسد هذا المنتصف الموجع في روايتها “اسميتها مسك”.
دعَتني الكاتبة إلى الغوص في عالمها،وقد أنهيت تلك الرحلة في الرابع من آب 2026، عند الساعة الواحدة وسبع وعشرين دقيقة بعد منتصف الليل، وأنا أحمل مزيجا غريبا من الدهشة والتعب والامتنان.خرجت منها وأنا أقول بكل قناعة إنها رواية رفيعة المستوى، كتبت بحس مرهف، ولغة أنيقة، وقدرة مدهشة على تكثيف المشهد والصورة والإحساس، حتى بدا كل فصل منها زلزالا صغيرا يهز مدنك الفكرية ويترك آثاره في الذاكرة.
تعجبت من هذا التكثيف الجميل،ومن تلك الصراعات التي تبدأ ولا تنتهي، وكأن الكاتبة لا تريد للقارئ أن يغلق الكتاب، بل أن يبقى أسير شخصياته. وحين وصلت إلى السطر الأخير، بقيت أحدق فيه طويلا، وكأن الرواية لم تنته، بل بدأت للتو.
ليس ختاما… بل وداعا.وهل هناك أشد قسوة من نهاية تتركك مع أسئلة مفتوحة، وإجابات لا تأتي، كالأمنيات المؤجلة، والأحلام المستحيلة، والرغبات التي تأكل الأعصاب ولا تنطفئ؟
شعرنا بصقيع باريس، وبمشاعر زوجته، كما شعرنا بدفء قلب نهاية، تلك “المسك” الوديعة، وبرائحة زيتون فلسطين، وضجيج القاهرة،وعذوبة ناسها،وجمال أرواح أهلها،كما عشنا مآسي غزة وصمودها الأسطوري، ممثلا في أمل انتزعته مسك من بين براثن الموت والفقد والأوجاع التي لا تنتهي.عشنا مع سائق التاكسي، ومع الكاتب محمد، ذلك القلب القابل للكسر والثقب والتشظي من فرط رقته. ورغم إمبراطورية المعجبات التي لا تغيب عنها الشمس، والشهرة والرزق والحضور، ظل ينقصه شيء واحد، شيء لا تستطيع أن تمنحه له سوى فتاة واحدة في هذا الكون. وبدونها، بدا وكأنه لا يملك شيئا.
كان محمد، وأحمد، ومريم، ونهاية، ورياض، ومدن كثيرة. زرت القاهرة يوما، لكنني لم أزر باريس، ولا غزة إلا عبر الصور والفيديوهات، حتى جاءت ختام وأخذتني إليهما في روايتها.
وجدت تشابها كبيرا بين بعض السرديات وبعض الخطوط التي أخطط لها في روايتي القادمة، تلك التي ربما ستولد من رحم العذابات، أو الأمنيات الذابلة، أو من شيء آخر لم يتشكل بعد.
حتى أحمد، بكل قذارته، بدا شبيها بأشخاص نعرفهم جميعا، يمثلون خيباتنا الكبرى. وكانت الكاتبة قاسية في صراحتها حين وضعت أمامه المرآة، ليكتشف أن ما يبيحه لنفسه قد يحدث لزوجته أيضا، وأن العدالة حين تدور لا تستأذن أحدا.
ورغم قوله: “أنا مليش حد غير نهاية، ولو خسرتها هبقى لوحدي”، إلا أنه كان وحيدا قبل ظهورها، ووحيدا بعدها، لأن الوحدة ليست غياب الناس، بل غياب الشخص الذي يشبه روحك.
لم ترأف بنا ختام وهي تدير صراعات شخصياتها بين الحب والإعجاب، والمؤامرة والخذلان، والوجع والرجاء، وتركت النهاية مفتوحة لكل قارئ كي يكتبها بنفسه. ورغم سواد المشهد الأخير، بقي بريق خافت يلمع، كلمعان عيني مسك، وكأن الأمل يرفض أن يموت.
كم كانت بعض العبارات فاتنة وعميقة: “ما أصعب أن تكون واقعا بين الحب والعمل.” “كم يكره الوقت الذي لا تكون فيه حبيبته.” “على المحب أن يعلم كل شيء من لا شيء.” “وأنا أرنو إلى لمعة عينيها،وانعكاس صورتي فيهما.” “فقد جمعت كنوزا من الذكريات الحزينة والسعيدة.” “الذكريات لعنة ستبقى معك أينما ذهبت.” فهل هي لعنة الحب… أم نشوته؟ وهل الذكريات، كما قلت يوما،أكثر وفاء من أصحابها؟ ومن أجمل ما قرأت أيضا: “ليت الزمان يتوقف، ويختفي الجميع، إلا مسك.” “لو طلبت توقيعي، لحصلت على قلبي محفورا باسمها.” “عندما تكون وحيدا، ولا يمكنك أن تثق بأحد لتبوح بآلامك، تصبح كاتبا محترفا.” يا له من معنى عميق… وكأنه يختصر سجن الروح الأبدي.
وتبقى الأسئلة التي لم تجب عنها الرواية، وربما لا تريد الإجابة عنها: لماذا ينتصر الفراق في أغلب قصص الحب؟ ولماذا يحرم المتزوج من إعادة النظر في حقوق قلبه، إذا كان أسيرا لزواج لم يشبهه يوما؟ ولماذا يقف العمر حائلا بين قلبين لم يخططا للحب، لكنه باغتهما؟ ولماذا لا تكاد تخلو حكاية من بطل للخذلان؟ ولماذا تتكاثر المآسي أكثر من الأجوبة؟
أسئلة كثيرة تركتها ختام محمد معلقة بين صفحات “اسميتها مسك”، ولم تكتف بأن تروي حكاية، بل صنعت وجعا جميلا، وأثارت فينا زوبعة من التأمل، ثم مضت، تاركة كل واحد منا يبحث عن نهايته الخاصة… وعن “مسكه” التي قد لا تأتي أبدا.