بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين
ليس السؤال الأكثر إلحاحاً في الفكر السياسي العربي اليوم: لماذا فشلنا في بلوغ المدينة الفاضلة؟ بل السؤال الأكثر جذرية هو: لماذا ظللنا، طوال عقود، نبحث عن السياسة في عالم المثال، بينما كان الواقع يكتب قوانينه بعيدًا عن أحلامنا وشعاراتنا؟
ففي المجتمعات التي طال عليها الاستبداد، وتراكمت فيها الأزمات، وانسدت أمامها إمكانات التحول التاريخي، لا تعود الطوباوية مجرد نزوع فكري إلى تخيّل مجتمع كامل العدالة والحرية، وإنما تتحول أحيانًا إلى آلية نفسية وثقافية للتعويض عن العجز السياسي؛ إذ كلما عجز الواقع عن إنتاج الممكن، ازداد الوعي تشبثاً بالمستحيل، وكلما ضاقت مساحات الفعل، اتسعت خرائط الحلم.
من هنا يمكن فهم جانب من مأزق الفكر السياسي العربي: فقد ظل، في كثير من تجلياته، أسير ثنائية شديدة التبسيط؛ إما الاحتفاء بالمثال المجرد، وإما الاستسلام للواقع بوصفه قدراً لا فكاك منه. وبين المثال والواقع ضاعت المساحة التي ينبغي أن تسكنها العقلانية السياسية: تلك القدرة على قراءة الممكن كما هو، لا كما نشتهي أن يكون.
إن المشكلة ليست في الحلم ذاته؛ فالأمم التي تفقد القدرة على الحلم تفقد قدرتها على تجاوز حاضرها. وإنما تكمن المشكلة حين يتحول الحلم إلى بديل عن الفعل، والشعار إلى بديل عن البرنامج، والرغبة إلى بديل عن المعرفة، والتخييل السياسي إلى تعويض دائم عن غياب الإرادة التاريخية.
الطوباوية: حين يصبح الحلم تعويضًا عن العجز:
الطوباوية في أصلها ليست شراً سياسياً؛ فقد كانت، منذ أفلاطون، محاولة لتخيّل نظام اجتماعي أكثر عدلاً واتساقاً. غير أن الطوباوية تتحول إلى مأزق حين تنفصل عن شروط التاريخ وإمكاناته، وحين يُراد للمجتمع الواقعي أن يطابق صورة ذهنية مكتملة الصنع.
وهنا يصبح الفكر السياسي أسيراً لـمدينة لا وجود لها إلا في المخيال.
فالحرية، والعدالة، والوحدة، والمساواة، والكرامة، حين تُنتزع من شروطها التاريخية والمؤسسية، تتحول من أهداف قابلة للبناء التدريجي إلى مفاهيم مطلقة، تُرفع في الخطاب إلى مرتبة المقدس، ثم لا تلبث أن تتحول إلى شعارات قابلة للاستهلاك السياسي.
وهكذا يصبح المجتمع قادراً على ترديد الكلمات الكبرى، لكنه عاجز عن إنتاج الأدوات التي تجعلها ممكنة.
فالحرية ليست هتافاً؛ إنها مؤسسات وقانون وضمانات وفصل للسلطات وثقافة سياسية تقبل الاختلاف. والعدالة ليست أمنية أخلاقية؛ إنها نظام حقوقي واقتصادي وقضائي قابل للقياس والمساءلة. والدولة ليست شعاراً سيادياً؛ إنها مؤسسات وشرعية وقواعد ملزمة للحاكم والمحكوم.
ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية: أن نطالب بنتائج الحداثة السياسية من دون أن نبني شروطها المؤسسية والثقافية.
من تخييل السلطة إلى فهمها؛
لعل أحد أعقد أوجه الأزمة أن السلطة كثيراً ما تظهر في الوعي السياسي العربي بوصفها كياناً غامضاً ومتعالياً، بدل أن تُقرأ باعتبارها شبكة من المؤسسات والمصالح والعلاقات الاجتماعية وآليات إنتاج الشرعية وإعادة توزيع الموارد.
وهنا تكتسب المعرفة السياسية أهميتها.
فالسلطة لا تُفهم أخلاقياً فقط، ولا تُختزل في شخص الحاكم؛ إنها بنية لها مؤسساتها وأجهزتها وخطاباتها ومصالحها وآلياتها الرمزية والمادية. ومن ثم فإن تغييرها لا يتحقق بمجرد استبدال الأشخاص، وإنما بإعادة بناء قواعد إنتاج السلطة وتداولها ومراقبتها ومساءلتها.
إن التفكير السياسي الناضج لا يسأل فقط: «من يحكم؟»، بل يسأل قبل ذلك: كيف يُحكم؟ وبأي شرعية؟ ومن يراقب؟ وكيف تُوزع القوة؟ وما حدود السلطة؟ وما حقوق الفرد في مواجهة الدولة؟
وهذه الأسئلة تنقل الفكر من أخلاقية الاحتجاج إلى علم السياسة، ومن الانفعال إلى المعرفة، ومن الرغبة في التغيير إلى القدرة على إنتاجه.
نقد الطوباوية ليس قتلًا للأمل:
إن نقد الطوباوية لا يعني السخرية من أحلام الشعوب، ولا تحويل الواقعية إلى ذريعة للاستسلام، ولا مطالبة الإنسان بالتكيف مع الظلم بحجة أن التاريخ لا يسمح بأكثر مما هو قائم.
فالواقعية السياسية الحقيقية ليست عبادة للواقع، وإنما معرفة بشروط تغييره.
إنها لا تقول للإنسان: اقبل عالمك كما هو؛ بل تقول له: افهم عالمك أولًا لكي تستطيع تغييره.
وهنا يكمن الفرق بين الواقعية والاستسلام.
فالواقعية التي تتحول إلى تبرير للسلطة ليست عقلانية، وإنما هي شكل آخر من أشكال الأيديولوجيا. كما أن الطوباوية التي ترفض كل شروط الواقع ليست ثورية بالضرورة، فقد تتحول إلى خطاب جميل يعجز عن إنتاج أي تغيير.
أما العقلانية السياسية فتقف في المنطقة الأكثر صعوبة: بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وبين الضرورة والإمكان، وبين الحلم وشروط تحققه.
من السياسة بوصفها شعاراً إلى السياسة بوصفها ممارسة:
لقد آن للفكر السياسي العربي أن يعيد تعريف السياسة خارج مفهومها الدعائي.
السياسة ليست مهرجاناً من الشعارات، ولا صناعة للرموز، ولا استدعاءً دائماً للماضي، ولا تحويلًا للتاريخ إلى مستودع للبطولات الأسطورية.
السياسة، في جوهرها، إدارة للاختلاف، وتنظيم للمصالح، وتوزيع للسلطة، وبناء للمؤسسات، وتسوية للصراعات، وإنتاج للشرعية، وحماية للحقوق.
ومن دون الاعتراف بأن المجتمع ليس كتلة واحدة، وأن المصالح متعددة، والهويات متداخلة، والرؤى متعارضة، لا يمكن بناء سياسة حديثة.
فالمجتمع الديمقراطي ليس مجتمعاً اختفت فيه الخلافات، وإنما مجتمعاً تعلّم كيف يدير خلافاته دون أن يحوّل الاختلاف إلى حرب أهلية أو إقصاء أو تخوين.
وهنا تظهر ضرورة المجتمع المدني، لا بوصفه زينة مؤسساتية، وإنما باعتباره أحد الشروط الأساسية لتحرير السياسة من احتكار الدولة أو الحزب أو الجماعة أو الزعيم.
المثقف بين سلطة الواقع وسلطة الوهم:
ويتحمل المثقف العربي مسؤولية مضاعفة في هذا السياق.
فالمثقف الذي يكتفي بإنتاج خطاب يرضي الجمهور لا يؤدي وظيفته النقدية، كما أن المثقف الذي يتحول إلى بوق للسلطة يفقد استقلاله الأخلاقي والمعرفي.
لكن الخطر لا يأتي من سلطة الدولة وحدها؛ فهناك أيضاً سلطة الجماعة، وسلطة المقدس السياسي، وسلطة الأيديولوجيا، وسلطة الجمهور، وسلطة الماضي.
والمثقف الحقيقي هو الذي يستطيع أن يحتفظ بمسافة نقدية من الجميع.
إن وظيفة الفكر ليست أن يمنح المجتمع ما يريد سماعه، بل أن يضع أمامه ما يحتاج إلى التفكير فيه، حتى لو كان مؤلماً.
ولهذا فإن مهمة المثقف ليست صناعة الأوهام الجميلة، وإنما توسيع مجال الممكن.
نحو عقلانية سياسية عربية:
إذا كان الخروج من مأزق الفكر السياسي العربي ممكنًا، فإنه لا يبدأ من استيراد نموذج جاهز، ولا من استعادة نموذج تاريخي، ولا من صناعة طوباوية جديدة، وإنما من إعادة بناء علاقة الفكر بالواقع.
وهذا يقتضي جملة من التحولات الجوهرية:
أولًا: الانتقال من التفكير الرغائبي إلى التفكير الواقعي.
أي قراءة المجتمع كما هو، بتناقضاته ومصالحه وطبقاته وقواه ومؤسساته، بدل إسقاط تصورات مسبقة عليه.
ثانياً: الانتقال من عبادة الشعارات إلى بناء البرامج.
فكل شعار سياسي ينبغي أن يُترجم إلى سياسات ومؤسسات وقوانين ومؤشرات قابلة للقياس والمساءلة.
ثالثاً: إعادة تعريف الدولة.
فالدولة الحديثة ليست ملكاً للحاكم، ولا للحزب، ولا للجماعة؛ إنها مؤسسة عامة، والسلطة فيها وظيفة مؤقتة تخضع للقانون.
رابعاً: ترسيخ مفهوم المواطنة.
فالمواطن ليس تابعاً للسلطة ولا رعيةً لها؛ إنه صاحب حق، وشريك في المجال العام، ومصدر من مصادر الشرعية السياسية.
خامساَ: تحرير المجتمع المدني.
إذ لا يمكن للديمقراطية أن تستقر في مجتمع لا يمتلك مؤسسات مستقلة قادرة على مراقبة السلطة والدفاع عن المصالح العامة.
سادساً: بناء ثقافة الاختلاف.
فلا ديمقراطية بلا اعتراف بشرعية التعدد، ولا عقلانية سياسية في مجتمع يعتبر الخصم خائناً لمجرد أنه يختلف في الرأي.
سابعاً: إخضاع السلطة للنقد والمساءلة.
فالسلطة التي لا تُراقَب تميل إلى التمدد، والسلطة التي لا تُساءل تتحول تدريجياً من وظيفة عامة إلى امتياز خاص.
الخروج من أسر المدينة الفاضلة:
إن الشعوب العربية ليست محكومة بأن تبقى أسيرة دائرة مغلقة من الاستبداد والخيبة والطوباوية. لكنها، في الوقت نفسه، لن تخرج من أزماتها بمجرد تبديل الشعارات أو استدعاء أمجاد الماضي أو إنتاج خطاب ثوري جديد.
التاريخ لا يتغير بالرغبة وحدها.
إنه يتغير حين تتحول الرغبة إلى وعي، والوعي إلى تنظيم، والتنظيم إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى ممارسة سياسية مستدامة.
ولهذا فإن تجاوز الطوباوية لا يعني إعدام الحلم، بل إنقاذه من الوهم؛ ولا يعني التخلي عن العدالة، بل نقلها من مرتبة الأمنية إلى مرتبة المؤسسة؛ ولا يعني خفض سقف الحرية، بل بناء الشروط التي تجعلها قابلة للحياة.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الفكر السياسي هو أن يمنح الإنسان وهم التغيير بدل أدواته.
وأكثر ما تحتاجه المجتمعات العربية اليوم ليس مزيدًا من المدن الفاضلة التي تسكن الكتب والخطابات، بل عقلًا سياسيًا قادرًا على قراءة المدينة القائمة، واكتشاف أعطابها، وتحديد الممكن داخلها، ثم إعادة بنائها خطوةً خطوة.
فلا خلاص سياسيًا في الهروب من الواقع، كما لا خلاص في الاستسلام له.
الخلاص يبدأ حين نفهم الواقع بوصفه مادةً للتغيير، لا قدرًا أبديًا؛ وحين يتحول الأمل من حلمٍ معلق في سماء الطوباوية إلى مشروعٍ تاريخي يسير على قدمَي العقل والفعل.
وعندها فقط يغادر الفكر السياسي العربي منطقة التخييل إلى فضاء الممكن التاريخي؛ حيث لا تكون السياسة فنَّ انتظار المعجزة، بل فنَّ صناعة الممكن.