جاري التحميل...

السباعية الإنقاذية في حركة فتح محاولة لمنع الانهيار وحماية وحدة الحركة في مرحلة التحول

بقلم: د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2

تمهيد: عندما تصبح وحدة فتح قضية وجود
أنا أكتب هذه الورقة من موقع رجل عرف حركة فتح لا كعنوان سياسي فقط، وإنما كحالة تاريخية وعقل تنظيمي وثقافة نضالية تشكلت عبر عقود من الصراع والتجربة والخطأ والانتصار والانكسار.
ولذلك فإن ما يجري داخل فتح اليوم لا يجوز أن يُقرأ بوصفه مجرد تنافس على المواقع أو صراعًا على خلافة الرئيس محمود عباس. المسألة أعمق من ذلك بكثير.
المسألة هي: هل تستطيع فتح أن تعبر من مرحلة القائد الواحد إلى مرحلة القيادة الجماعية دون أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى انقسام داخلي؟
ومن هنا أفهم ما يتردد عن تشكل «سباعية إنقاذية» داخل الحركة، قوامها، وفق المعطيات التي يجري تداولها داخل الأوساط الفتحاوية:
محمود عباس، محمود العالول، توفيق الطيراوي، جبريل الرجوب، عباس زكي، ماجد فرج، وحسين الشيخ.
ولا أتعامل مع هذه الصيغة هنا باعتبارها قرارًا رسميًا منشورًا، وإنما باعتبارها صيغة سياسية متداولة تحتاج إلى التحقق التنظيمي والإعلامي، لكنها في ميزان التحليل الداخلي تعكس شيئًا مهمًا: إدراك قطاعات من فتح أن الحركة تحتاج إلى آلية توازن تمنع الانفجار الداخلي.
أولًا: فتح أمام لحظة تاريخية مختلفة
فتح ليست حزبًا تقليديًا.
إنها الحركة التي ولدت من فكرة الثورة، وتحولت إلى إطار سياسي، ثم أصبحت العمود الفقري للنظام الوطني الفلسطيني.
ولذلك فإن انهيارها لن يعني سقوط تنظيم سياسي واحد، بل سيعني اهتزاز جزء أساسي من البنية السياسية الفلسطينية الحديثة.
لقد مرت فتح سابقًا بأزمات وانشقاقات وصراعات حادة، وكان أخطر ما في تلك التجارب أن الخلاف السياسي كان يتحول أحيانًا إلى مراكز قوى مستقلة، ثم إلى أطر تنظيمية موازية.
وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية.
فالخلاف داخل فتح يمكن أن يبقى خلافًا صحيًا ما دام يجري داخل المؤسسات، ولكنه يصبح خطرًا استراتيجيًا عندما يتحول إلى:
قيادة مقابل قيادة،
منطقة مقابل منطقة،
تنظيم مقابل تنظيم،
أو شرعية مقابل شرعية.
ثانيًا: لماذا سبعة؟
الرقم هنا ليس مهمًا من الناحية العددية بقدر ما هو مهم من الناحية السياسية.
فالسبعة يمثلون، في هذه القراءة، سبعة مراكز ثقل داخل فتح:
أبو مازن: الشرعية السياسية العليا.
العالول: العمق التنظيمي والحركي.
الطيراوي: الخبرة الأمنية والتنظيمية التاريخية.
الرجوب: الثقل الحركي والجغرافي، وخصوصًا في الخليل.
عباس زكي: الذاكرة التاريخية والعلاقات العربية والدولية.
ماجد فرج: الثقل الأمني والاستخباري.
حسين الشيخ: مركز الثقل السياسي والعلاقات الدولية ومسار المرحلة الانتقالية.
إذن نحن لا نتحدث عن سبعة أشخاص متشابهين.
بل نتحدث عن تجميع لمصادر قوة مختلفة داخل الحركة في إطار واحد.
وهذه، في تقديري، هي الفكرة الأساسية للسباعية.
إنها ليست قيادة متجانسة، بل قيادة توازن.
ثالثًا: أبو مازن… مركز الشرعية
مهما اختلف الفتحاويون حول أداء الرئيس محمود عباس، فإن التعامل مع المرحلة الانتقالية يحتاج إلى الاعتراف بحقيقة أساسية:
أبو مازن ما زال يمثل مركز الشرعية السياسية والتنظيمية القائمة.
وأي محاولة للقفز فوق هذه الحقيقة ستفتح الباب أمام صراع على الشرعية.
لكن الشرعية لا تعني أن القيادة تستطيع وحدها إدارة مرحلة التحول.
وهنا تكمن المعادلة الصعبة:
الحفاظ على شرعية أبو مازن، مع بناء آلية جماعية تمنع فتح من الانفجار بعده.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للسباعية.
رابعًا: العالول والطيراوي… ذاكرة فتح التنظيمية
محمود العالول وتوفيق الطيراوي يمثلان، كل بطريقته، جزءًا من الذاكرة التنظيمية القديمة للحركة.
وهذا مهم جدًا.
فالحركات التاريخية لا تستطيع أن تنتقل إلى مرحلة جديدة بمجرد تغيير الأسماء.
هي تحتاج إلى جسر بين الذاكرة والمستقبل.
العالول يحمل رمزية تنظيمية وحركية، والطيراوي يحمل خبرة أمنية وتنظيمية عميقة.
وجودهما في صيغة جماعية يعني أن هناك محاولة للحفاظ على الخيط الذي يربط فتح الجديدة بفتح التي عرفها جيل الثورة.
خامسًا: الرجوب… الرجل الذي يصعب تجاهله
جبريل الرجوب ليس شخصية هامشية في فتح.
ولا يمكن قراءة مستقبل الحركة من دونه.
الرجل يمتلك تاريخًا تنظيميًا وأمنيًا وسياسيًا طويلًا، وله حضور واسع داخل الحركة، وخصوصًا في الخليل.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل الرجوب مع فتح أم ضد فتح؟
بل السؤال الأكثر دقة هو:
هل يستطيع الرجوب أن يجعل اختلافه داخل فتح، أم أن الخلاف يمكن أن يدفع باتجاه إنشاء مركز قوة مستقل؟
وهنا يجب أن نكون حذرين.
لا يجوز اتهام الرجل بأنه قرر إنشاء تنظيم منفصل ما لم يكن هناك دليل موثق.
لكن من حق فتح، ومن واجب قيادتها، أن تمنع أي مسار يمكن أن يؤدي إلى تكوين تنظيم رديف أو مركز قيادة جغرافي مستقل.
فالخليل ليست مجرد محافظة.
الخليل في تاريخ فتح تحمل وزنًا اجتماعيًا وتنظيميًا وأمنيًا وسياسيًا كبيرًا.
ولهذا فإن أي صراع داخلها يمكن أن تكون له تداعيات على الحركة كلها.
سادسًا: عباس زكي… عودة الذاكرة التاريخية
إذا صحت المعطيات المتداولة حول أن حضور عباس زكي في هذه الصيغة جاء نتيجة نقاش داخلي وضغط تنظيمي، فإن ذلك يحمل دلالة سياسية.
فالرسالة ليست بالضرورة ضد أبو مازن.
بل يمكن أن تكون:
فتح تريد أن تقول إن مستقبلها لا يمكن أن يُبنى على شخص واحد أو دائرة واحدة.
عباس زكي يمثل جزءًا من الذاكرة التاريخية للحركة، ووجوده داخل صيغة إنقاذية يمكن أن يؤدي وظيفة رمزية:
ربط الحاضر بالماضي ومنع القطيعة بين الأجيال الفتحاوية.
أما الرواية المتعلقة باجتماع رام الله ومحاولة إدخال ياسر عباس، واعتراض الرجوب على ذلك، فهي معلومة تحتاج إلى توثيق مستقل قبل تحويلها إلى حقيقة تاريخية.
لكن سياسيًا، فإن الجدل حولها يكشف سؤالًا أكبر:
هل تريد فتح أن تنتقل بالوراثة السياسية، أم بالشرعية التنظيمية؟
وهذا سؤال لا تستطيع الحركة الهروب منه.
سابعًا: ماجد فرج… الدولة داخل الحركة
ماجد فرج يمثل أحد أهم مراكز القوة في المعادلة الفلسطينية المعاصرة.
وجوده في أي صيغة انتقالية يعني أن البعد الأمني لن يكون غائبًا عن حسابات المرحلة.
لكن القوة الأمنية وحدها لا تستطيع حماية فتح.
فالتنظيم الذي يحتاج إلى الأمن كي يحافظ على وحدته يكون قد بدأ يفقد قدرته السياسية.
ولهذا يجب أن يكون دور فرج في أي صيغة إنقاذية حماية الاستقرار لا صناعة مركز قوة جديد.
ثامنًا: حسين الشيخ ومسألة ما بعد أبو مازن
حسين الشيخ يمثل أحد أكثر الأسماء ارتباطًا بسؤال المرحلة المقبلة.
لكن الخطأ الاستراتيجي سيكون تحويل السباعية إلى مجرد آلية لاختيار خليفة.
فإذا تحولت السباعية إلى صندوق اقتراع سري للخلافة، فإنها ستفشل.
أما إذا تحولت إلى مجلس توازن يمنع انهيار فتح ويؤسس لانتقال مؤسسي، فقد تنجح.
وهنا الفرق بين:
خلافة الشخص
و
استمرار المؤسسة.
تاسعًا: الخطر الحقيقي ليس الرجوب وحده
من الخطأ الاستراتيجي اختزال أزمة فتح في جبريل الرجوب.
فالرجوب جزء من المشكلة، لكنه ليس المشكلة كلها.
المشكلة الأكبر هي وجود عدة مراكز قوة داخل الحركة:
مركز سياسي.
مركز تنظيمي.
مركز أمني.
مركز جغرافي.
مركز تاريخي.
مركز مرتبط بالمرحلة الانتقالية.
وأجيال جديدة تريد إعادة تعريف فتح.
إذا لم تُدار هذه التناقضات داخل مؤسسة واحدة، فإنها يمكن أن تنتج عدة فتحات داخل فتح.
وهذا هو الخطر الحقيقي.
عاشرًا: الخليل ليست هامشًا في المعادلة
الخليل تحمل خصوصية اجتماعية وعشائرية وتنظيمية كبيرة.
ولذلك فإن ظهور تيار فتحاوي قوي فيها لا يعني تلقائيًا وجود مشروع انفصال.
لكن إذا اقترنت القوة الجغرافية بـ:
هيكل تنظيمي مستقل + تمويل مستقل + قيادة مستقلة + خطاب سياسي مستقل،
فإن الأمر يتحول من نفوذ تنظيمي إلى مشروع انقسام.
وهنا يجب أن تتدخل القيادة مبكرًا، ليس بالقمع، وإنما بالسياسة.
لأن الانشقاق لا يُمنع بالسلاح.
الانشقاق يُمنع بإعطاء المختلف مكانًا داخل المؤسسة.
الحادي عشر: الدرس التاريخي لفتح
فتح دفعت ثمن الانقسامات أكثر من مرة.
والتاريخ الفتحاوي يعلمنا أن أخطر لحظة ليست عندما يختلف القادة.
بل عندما يفقد المختلفون ثقتهم بإمكانية حل الخلاف داخل البيت.
عندها يبدأ البحث عن بيت آخر.
وهنا تأتي وظيفة السباعية.
ليس مطلوبًا منها أن تجعل الجميع متفقين.
بل المطلوب منها أن تجعل الجميع مختلفين داخل فتح.
وهذا فرق جوهري.
الثاني عشر: السباعية ليست مجلس وصاية
إذا تحولت السباعية إلى مجلس وصاية على فتح، فسوف تفشل.
وإذا تحولت إلى أداة لإقصاء تيار معين، فسوف تفشل.
وإذا تحولت إلى ترتيبات سرية لخلافة أبو مازن، فسوف تفشل.
أما إذا تحولت إلى:
مجلس توازن، ومصالحة، وضبط تنظيمي، وإدارة انتقال،
فإنها يمكن أن تكون أحد المخارج الممكنة من الأزمة.
الثالث عشر: وماذا عن مروان البرغوثي؟
هنا توجد عقدة لا تستطيع فتح تجاهلها.
مروان البرغوثي حصل على أعلى الأصوات في انتخابات اللجنة المركزية.
وهذا يعني أن لديه رصيدًا انتخابيًا وتنظيميًا لا يمكن تجاهله.
صحيح أن وجوده في الأسر يحد من قدرته على ممارسة وظيفة تنفيذية مباشرة، لكن ذلك لا يلغي وزنه الرمزي والشعبي والتنظيمي.
ومن هنا فإن أي صيغة مستقبلية لفتح تستبعد البرغوثي كليًا ستواجه مشكلة شرعية داخلية.
والحل الذكي ليس إقصاء البرغوثي.
بل إدماج رمزيته في صيغة الانتقال الوطني الفتحاوي.
الرابع عشر: فتح أمام خيارين
أمام فتح اليوم طريقان:
الطريق الأول: التفكك
تتعدد مراكز القوة.
يتحول الخلاف السياسي إلى صراع شخصي.
يتحول الصراع الشخصي إلى تيارات.
ثم تتحول التيارات إلى مناطق نفوذ.
ثم يصبح لكل منطقة خطابها ورجالها وشبكاتها.
وعندها تصبح فتح اسمًا تاريخيًا لأجسام متعددة.
الطريق الثاني: إعادة البناء
تُبنى قيادة جماعية.
يُعاد الاعتبار للمؤتمر وللمركزية والمجلس الثوري.
تُضبط مراكز القوة.
تُفتح قنوات الحوار مع المختلفين.
يُمنع التنظيم الموازي.
وتصبح الخلافات جزءًا من الحياة الداخلية للحركة.
وهنا فقط تستطيع فتح أن تنتقل من فتح الثورة إلى فتح الدولة دون أن تفقد روحها.
الخلاصة: إنقاذ فتح لا يعني إنقاذ الأشخاص
من وجهة نظر فتحاوي عتيق، أقولها بصراحة:
فتح أكبر من أبو مازن، وأكبر من الرجوب، وأكبر من العالول، وأكبر من الطيراوي، وأكبر من فرج، وأكبر من الشيخ، وأكبر من عباس زكي.
هؤلاء جميعًا أبناء مرحلة من تاريخ الحركة.
أما فتح فهي التاريخ نفسه.
لذلك فإن المهمة الحقيقية للسباعية، إذا كانت هذه الصيغة قائمة بالفعل، ليست أن تبحث عن الشخص الذي سيرث أبو مازن.
بل أن تمنع انهيار البيت الفتحاوي.
أن تمنع أن تتحول الخلافات إلى انشقاق.
أن تمنع أن تتحول الخليل إلى مركز تنظيم موازٍ.
أن تمنع أن تتحول الخلافات حول التوريث السياسي إلى صراع أجيال.
وأن تمنع أن تتحول اللجنة المركزية إلى ساحة لتصفية الحسابات.
فتح تحتاج اليوم إلى عقل جماعي، لا إلى رجل واحد.
وتحتاج إلى انتقال مؤسسي لا إلى انتقال شخصي.
وتحتاج إلى شرعية انتخابية وتنظيمية، لا إلى شرعية القوة.
وأقولها كفتحاوي عتيق:
لا نخاف من اختلاف الفتحاويين؛ نخاف من أن يفقد الفتحاويون القدرة على الاختلاف داخل فتح.
فالاختلاف داخل الحركة حياة.
أما الانشقاق عنها فهو موت سياسي.
والسباعية، إن أرادت أن تنقذ فتح، عليها أن تجعل مهمتها الأولى والأخيرة:
أن تبقى فتح واحدة، وأن تنتقل قيادتها من جيل إلى جيل دون أن تنتقل معها بندقية الانقسام.
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2