قراءة سردية ونقدية للدكتور صالح الشقباوي في إبداعات الشاعر محمود درويش، وورقة الدكتور نافذ الرفاعي
بعد ثمانية عشر عاماً على رحيل محمود درويش، لا يزال السؤال عن حضوره يتجاوز سؤال الشعر إلى سؤال الوجود ذاته: كيف استطاع شاعر أن يجعل من القصيدة مكاناً آخر للكينونة الفلسطينية، وأن يحول الأدب إلى فلسفة، والفلسفة إلى شعر؟
من هنا تأتي هذه القراءة السردية للدكتور صالح الشقباوي، المختص في الفلسفة والنقد الأنطولوجي لتصورات الكينونة وسردية الهوية، لورقة الشاعر والفيلسوف والكاتب والناقد الدكتور نافع الرفاعي حول إبداعات محمود درويش.
لقد حاول الرفاعي أن يلامس غبار أشعار محمود درويش، وهي جاثمة على أجساد الحقيقة الفلسطينية التي ولدت من رحم النكبة والتشرد والنفي. لم يتعامل مع درويش بوصفه شاعراً يكتب عن فلسطين فقط، بل بوصفه كائناً شعرياً أعاد إنتاج فلسطين داخل اللغة، وحوّل القصيدة إلى فضاء لاستعادة ما حاول الآخر الصهيوني طمسه واستلابه.
لقد ولد درويش بعد النكبة في فضاء مشبع بالاقتلاع. وبعد طرد أهله من قرية البروة، حاول العودة إليها متسللاً، وكأن العودة لم تكن مجرد عودة إلى مكان جغرافي، بل كانت محاولة لاستعادة كينونة اقتُلعت من مكانها.
وهنا تكمن إحدى أهم مفاتيح قراءة درويش: فالوطن عنده ليس جغرافيا فقط، بل ذاكرة، والذاكرة ليست ماضياً، بل قوة إنتاج للوجود.
لقد شكّلت البروة بالنسبة إلى درويش قاعدة انطلاق فدائية للعودة وتكوين الوطن ثانية؛ ومن هذه النقطة يبدو الدكتور نافذ الرفاعي متوحداً، إلى حد الإمّحاء، مع استراتيجية النص، وهو يقرأ علاقة محمود درويش بالهوية والكينونة، ومعنى ومغزى أنطولوجيا الوجود في قصائده.
من بطاقة الهوية إلى اكتشاف الكينونة
توقف الرفاعي عند محطات أساسية في تجربة درويش، خصوصاً تلك التي ارتبطت بالهوية المهددة بالطمس والغياب.
في قصيدة «بطاقة هوية»، المنشورة ضمن أوراق الزيتون عام 1964، لا نقرأ مجرد دفاع عن العروبة والفلسطينية، بل نقرأ إعلاناً أولياً عن استرداد الذات لحقها في أن تقول: أنا موجود.
هنا تتحول الهوية من وثيقة إدارية إلى فعل وجودي.
فالشاعر لا يكتفي بأن يقول إنه فلسطيني، بل يجعل اللغة نفسها بطاقة هوية مضادة لمحاولة المحو. إن «أنا عربي» ليست عبارة سياسية وحسب؛ إنها صيغة أنطولوجية تقول إن الوجود الذي حاول الآخر أن ينفيه قادر على إنتاج نفسه باللغة والذاكرة والشعر.
ثم جاءت هزيمة عام 1967 وصعود المقاومة لتفتح مرحلة جديدة في الوعي الفلسطيني، فكتب درويش من داخل تجربة التحول:
«وطني يعلّمني حديد سلاسلي
عنف النسور ورق المتفائل
ما كنت أعرف أن تحت جلودنا
ميلاد عاصفة وعرس جداولي»
هنا يصبح القيد نفسه مدرسة، ويصبح الحديد معلماً، وتتحول السلاسل إلى معرفة. وهذا هو التحول الذي يمكن تسميته اكتشاف الكينونة: أن يعرف الفلسطيني ذاته من خلال مقاومته للغياب.
من المسافر إلى العاشق
لكن تجربة درويش لم تتوقف عند حدود الهوية السياسية. لقد انتقلت إلى مستوى أعمق، حيث بدأ الشاعر يعيد تعريف علاقته بالأرض.
يقول:
«آه يا جرحي المكابر
وطني ليس حقيبة
وأنا لست مسافر
إنني العاشق والأرض حبيبته»
هنا يحدث التحول الكبير.
فالوطن لم يعد حقيبة يحملها المنفي، ولم يعد الفلسطيني مسافراً أبدياً بين المطارات والمنافي. لقد أصبحت الأرض موضوع حب ووجود.
وهذا هو البعد الثالث الذي ولده محمود درويش في تجربته الإبداعية: إنه لم يكتفِ بمزاوجة الأدب بالفلسفة، بل أنتج من هذه المزاوجة بعداً شعرياً ثالثاً، تتحول فيه الفلسفة إلى إحساس، ويتحول الشعر إلى سؤال عن الوجود.
فدرويش لا يسأل فقط: من أنا؟
بل يسأل: كيف أكون؟
ولا يسأل فقط: أين وطني؟
بل يسأل: كيف يصبح الوطن كينونة في الإنسان؟
بيروت: الرحيل الذي لم يكن نهاية
وفي بيروت، كما في فلسطين، ظل سؤال الكينونة ملازماً للشاعر.
غنى درويش للرحيل والحصار، وكتب من داخل التجربة الفلسطينية التي وجدت نفسها مرة أخرى أمام سؤال المنفى:
«أحرقنا مراكبنا
علقنا كواكبنا على الأسوار
نحن الواقفين على خطوط النار
نعلن ما يلي…»
ثم تصبح بيروت في مخيلته تفاحة، ويصبح القلب قادراً على الضحك رغم الحصار، ويظل الليلك قابلاً للزواج رغم الخراب.
وهنا تظهر فلسفة درويش في أقصى تجلياتها: الإنسان لا ينتصر لأنه لا يُهزم، بل لأنه يستطيع أن ينتج معنى جديداً من داخل الهزيمة.
الهوية بين الذاكرة والاختراع
ولن ننسى التحولات الفلسطينية اللاحقة، ومنها أحداث حزيران والانقسام والاقتتال الداخلي، وهي أحداث تركت أثراً عميقاً في وجدان درويش.
يقول:
«الهوية ما تورث
ما لا نرث
ما نخترع
ما نتذكر…»
وهنا تصبح الهوية مشروعاً لا ميراثاً مغلقاً.
فالهوية عند درويش ليست حجراً ثابتاً، وإنما حركة بين الذاكرة والاختراع، بين ما ورثناه وما نصنعه، وبين الماضي الذي يسكننا والمستقبل الذي نريد أن نصنعه.
ومن هنا يمكن فهم غضب درويش من الانقلاب والاقتتال الفلسطيني؛ لأنه رأى في الانقسام اضطراباً في الكينونة الفلسطينية نفسها، لا مجرد خلاف سياسي عابر.
لقد أصبحت الكينونة اضطراباً في الهوية، وتصاعداً تواترياً في الحقائق، نحو البحث عن توليفة فلسطينية جديدة تستطيع أن تجمع ما تفرق.
الشاعر الذي يشرب الظل
وفي قصيدته التي يقرأها الرفاعي ضمن هذا السياق، يبدو درويش شاعراً يمشي في فضاء محفوف بالخطر، يقول:
«بعيداً وراء خطواته
ذئاب تعض شعاع القمر»
الصورة هنا ليست مجرد استعارة شعرية؛ إنها صورة أنطولوجية عن الإنسان الذي يمشي، فيما يطارده الغياب.
الذئاب تعض الضوء، لكنها لا تستطيع إلغاء القمر.
وهكذا يصبح الشعر عند درويش فعلاً من أفعال المقاومة الوجودية: محاولة إبقاء الضوء حياً في عالم يحاول افتراسه.
الرفاعي ودرويش: الأدب والفلسفة
إن القيمة الأساسية في ورقة الدكتور نافذ الرفاعي أنها لم تتعامل مع درويش باعتباره شاعراً فلسطينياً عظيماً فقط، وإنما حاولت الاقتراب من البنية العميقة التي جعلت من شعره فضاءً للوجود الفلسطيني.
وهنا تلتقي قراءة الرفاعي مع النقد الأنطولوجي؛ فالشعر عند درويش لا يصف الكينونة الفلسطينية فحسب، بل يصنعها.
إنه يستعيد الإنسان من النفي، ويستعيد المكان من الغياب، ويستعيد الذاكرة من محاولة المحو.
ولهذا فإن محمود درويش لم يكن مجرد شاعر لفلسطين، بل أصبح أحد صانعي صورتها الوجودية الحديثة.
لقد انتقل من سؤال الهوية إلى سؤال الماهية، ومن سؤال «من نحن؟» إلى سؤال «كيف نوجد؟»، ومن الوطن باعتباره مكاناً إلى الوطن باعتباره معنى.
وهنا يصبح العنوان أكثر دلالة: أدب وفلسفة، وفلسفة وأدب.
فالفلسفة عند درويش لا تأتي في صورة مقولات مجردة، والأدب لا يأتي في صورة زخرفة لغوية؛ كلاهما يدخل في جدلية واحدة لإنتاج معنى الإنسان الفلسطيني.
خاتمة: غيمة سوداء تمطر فلسطين
في الختام، أقول إن هذه الدراسة ليست سوى غيمة سوداء تدخل سماء القصيدة بأمطارها الفلسطينية؛ أمطار ستشفي الجرحى، وتسقي الأرض، وتروي القلوب والعقول الظمأى التي أزيحت عن أماكنها بفعل غضب الآخرين عن معانيها.
إنها دراسة قيمة في أسلوبها، وفي طريقتها السردية، وفي قدرتها على الاقتراب من محمود درويش لا باعتباره شاعراً رحل، وإنما باعتباره كينونة شعرية لا تزال حاضرة.
فمحمود درويش مات جسداً، لكنه بقي في اللغة، وفي الذاكرة، وفي فلسطين التي أعاد اختراعها شعرياً.
ومن هنا أقول للدكتور نافذ الرفاعي:
أبدعت… أبدعت… أبدعت.
لقد حاولت أن تلامس غبار قصيدة درويش، فإذا بالغبار يتحول بين يديك إلى ذاكرة، والذاكرة إلى هوية، والهوية إلى كينونة، والكينونة إلى وطن.
محبتي لك، أخوك
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2