لم تكن العروبة، في نشأتها الفكرية والحضارية، شعارًا سياسيًا عابرًا، ولا مشروعًا أيديولوجيًا مغلقًا، بقدر ما كانت تعبيرًا عن هوية ثقافية وتاريخية تشكّلت عبر قرون طويلة من التفاعل الحضاري واللغوي والإنساني. ومنذ بدايات النهضة العربية الحديثة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، احتلت قضية العروبة مكانةً مركزية في فكر المفكرين والمصلحين والباحثين، بوصفها الإطار الجامع الذي يمكن أن يؤسس لمشروع نهضوي قادر على إخراج الأمة العربية من حالة التراجع الحضاري، وبناء مستقبل يقوم على الحرية والوحدة والتنمية.
لقد أدرك رواد النهضة العربية أن الهوية ليست معطىً جامدًا، وإنما كيانٌ تاريخي يتجدد باستمرار، وأن العروبة لا تُختزل في الانتماء العرقي أو القبلي، بل تتأسس على اللغة والثقافة والتاريخ المشترك، وعلى منظومة من القيم الحضارية التي صاغت الشخصية العربية عبر العصور. ومن هنا، لم تكن العروبة في جوهرها مشروعًا للإقصاء أو الهيمنة، وإنما إطارًا جامعًا للتنوع، يستوعب الاختلاف الديني والثقافي والإثني داخل الفضاء العربي، ويجعله مصدرًا للإثراء لا سببًا للانقسام.
وقد اقترنت هذه الرؤية منذ بداياتها بمشروع التحرر الوطني؛ إذ تزامن تشكل الوعي القومي العربي مع مقاومة السيطرة العثمانية في مراحلها الأخيرة، ثم مواجهة الاستعمار الأوروبي الذي أعاد رسم خرائط المنطقة وفق مصالحه الاستراتيجية، ورسّخ التجزئة السياسية، وأقام حدودًا مصطنعة ما تزال تلقي بظلالها على الواقع العربي حتى اليوم. ولذلك ارتبطت العروبة، في وجدان أجيال النهضة، بفكرة الاستقلال والسيادة الوطنية، ورفض التبعية، والسعي إلى بناء مجتمع تسوده العدالة والكرامة وسيادة القانون.
ومع تطور الفكر العربي الحديث، تبلورت ثلاثة مسارات رئيسة لفهم العروبة. تمثل الأول في المسار الثقافي الذي رأى أن النهضة تبدأ بإحياء اللغة العربية، وتجديد الفكر، وإصلاح التعليم، وبناء الدولة المدنية الحديثة، مستلهمًا التجربة الأوروبية في الإصلاح، دون الوقوع في أسر التقليد الأعمى أو فقدان الخصوصية الحضارية.
أما المسار الأيديولوجي، فقد سعى إلى تحويل العروبة إلى مشروع سياسي وحدوي، غير أن بعض تجاربه تأثرت بمناخ القوميات الأوروبية في القرن العشرين، وهو ما أفضى في بعض المراحل إلى اختزال الهوية في شعارات سياسية جامدة، وأضعف البعد الحضاري والإنساني الذي قامت عليه الفكرة في أصلها.
وفي المقابل، ظهر المسار المؤسسي مع تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، بوصفها أول إطار عربي رسمي يسعى إلى تنسيق السياسات العربية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، والدفاع عن المصالح المشتركة. وقد شكّل تأسيس الجامعة خطوة تاريخية مهمة، عكست إدراكًا مبكرًا لأهمية العمل العربي المشترك، وأسهمت في دعم حركات التحرر الوطني، ومساندة عدد من الدول العربية في مسيرة الاستقلال، كما حافظت على حضور القضية الفلسطينية في المحافل الإقليمية والدولية بوصفها القضية المركزية للأمة العربية.
غير أن الطموحات الكبرى التي رافقت إنشاء الجامعة لم تتحقق بالصورة المأمولة، إذ اصطدمت بتباين السياسات العربية، وتضارب المصالح القطرية، وتصاعد الخلافات البينية، الأمر الذي حدّ من قدرة المؤسسة العربية على إدارة الأزمات، أو بناء منظومة فعّالة للأمن العربي المشترك، أو تحقيق التكامل الاقتصادي المنشود.
ومع مرور العقود، واجه المشروع العروبي سلسلة من التحديات المركبة. فقد أدى فشل عدد من تجارب الوحدة العربية، وتصاعد النزاعات الداخلية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، إلى انحسار الحلم النهضوي الذي راود أجيالًا متعاقبة من العرب. كما أسهمت التدخلات الإقليمية والدولية في تعميق الانقسامات، وإضعاف القرار العربي المستقل، وتحويل بعض الدول العربية إلى ساحات للصراعات بالوكالة، الأمر الذي انعكس سلبًا على وحدة الموقف العربي، وعلى قدرة المؤسسات الإقليمية على أداء دورها.
وفي الداخل العربي، أفضت هيمنة الأنظمة السلطوية، وتراجع المشاركة السياسية، وغياب الحريات العامة، إلى إضعاف الثقة بالمشروعات القومية، بعدما ارتبطت العروبة، في بعض التجارب، بخطاب السلطة أكثر من ارتباطها بقيم الحرية والديمقراطية. وهكذا تراجعت الفكرة في الوعي العام، لا بسبب قصورها الذاتي، وإنما بسبب الممارسات التي أُنجزت باسمها، والتي كثيرًا ما ناقضت مبادئها الأصلية.
وفي الوقت نفسه، برزت الهويات الفرعية ذات الطابع الطائفي أو المذهبي أو الإثني، لتملأ الفراغ الذي خلّفه ضعف المشروع الوطني والقومي، فشهدت مجتمعات عربية عديدة انقسامات حادة أضعفت النسيج الاجتماعي، وأعادت إنتاج الولاءات الضيقة على حساب الهوية الجامعة. ولم يكن ذلك بمعزل عن تأثيرات القوى الإقليمية والدولية التي وجدت في هذه الانقسامات مدخلًا لتعزيز نفوذها وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
ومع ذلك، فإن تعثر المشروع العروبي لا يعني نهاية العروبة، لأن الهوية الحضارية لا تزول بإخفاق التجارب السياسية، بل تبقى كامنة في اللغة، والثقافة، والذاكرة الجماعية، والإرث الحضاري المشترك. فالعروبة ليست نظامًا سياسيًا بعينه، ولا حزبًا، ولا سلطة، وإنما فضاء حضاري يتسع لكل أبنائه، ويستمد مشروعيته من قدرته على تجديد نفسه، والانفتاح على العصر، واستيعاب التحولات الفكرية والسياسية والاجتماعية.
إن الحاجة اليوم ليست إلى استعادة شعارات الماضي، بل إلى إعادة بناء المشروع النهضوي العربي على أسس جديدة، تجعل الإنسان العربي محور التنمية، والحرية شرطًا للتقدم، والديمقراطية أساسًا للحكم الرشيد، والتكامل الاقتصادي والعلمي والثقافي ركيزةً لاستعادة المكانة الحضارية للأمة. فالعروبة التي تتطلع إلى المستقبل هي عروبة المعرفة، والعدالة، والانفتاح، لا عروبة الانغلاق أو التعصب أو الإقصاء.
وبذلك تستعيد العروبة معناها الحقيقي بوصفها مشروعًا حضاريًا جامعًا، قادرًا على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وبين الهوية والانفتاح، وبين الانتماء الوطني والانتماء القومي، لتظل رافعةً للنهوض العربي، لا مجرد ذكرى تستحضر أمجاد الماضي.