من غير المجدي الاستمرار في جلد الذات.
من حق الدولة الفلسطينية محاسبة كل من يتطاول على المال العام، ومحاسبة كل مرتشٍ وفاسد، والأهم من ذلك تفعيل نظام الذمة المالية لكل من يعمل في مؤسسات السلطة الفلسطينية ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، دون استثناء.
لقد أثار توقيف السفير السابق أشرف دبور، وإدانته من قبل البعض،
ودفاع عنه من قبل شخصيات وقامة وطنية لبنانية ومن شرائح فلسطينية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، خاصة بأنه كان يحظى بثقة الرئيس الراحل ياسر عرفات، ومن الرئيس أبو مازن
الذي يعينه سفيراً فوق العادى، يعني ذلك ثقة الرئيس الفلسطيني،
بعد مطالبة السلطة الفلسطينية باعتقاله عبر مذكرة التوقيف إلى الجهات ذات الشأن في الدولة اللبنانية، تساؤلات عديدة. ولا شك أن للسلطة الفلسطينية حقها في اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة، ولكن السؤال المطروح هو: حين كان أشرف دبور يتولى منصب سفير دولة فلسطين، ألم يكن من الممكن طرح مسألة استبداله نتيجة وجود شبهة فساد أو فتح تحقيق بشأنها؟
وحين انشغلت مواقع التواصل الاجتماعي في الساحة اللبنانية بالاستغراب من عملية نقل السفير أشرف دبور، كُتب مقال لا يزال موجودًا، يتحدث عن أن مدة السفير أربع سنوات فقط، وفي حالات الطوارئ يمكن تجديدها سنة واحدة. وهذا النظام معمول به في أغلب دول العالم.
لكن في نظام منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها حركة تحرر وطني، كان عمل السفير يُنظر إليه باعتباره مهمة نضالية، ولا سيما أن أجهزة الأمن الإسرائيلية، ومنها جهاز الموساد، سبق أن نفذت عمليات اغتيال طالت عددًا من القيادات والسفراء الفلسطينيين في دول مختلفة من العالم.
ولست قاضيًا حتى أحكم على السفير أشرف دبور، ولست محاميًا للدفاع عنه، ولكن كان من المفترض، في رأيي، استدعاؤه وإجراء التحقيق معه من قبل المحكمة الحركية، خاصة أنه كان عضوًا في المجلس الثوري لحركة فتح قبل المؤتمر الثامن.
وبما أننا حركة تحرر وطني، وشعبنا يعيش تحت الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني العنصري، فإن ذلك يتطلب منا عدم نشر الغسيل الداخلي، حتى لا نفقد ثقة شعبنا الفلسطيني العظيم وأمتنا العربية والإسلامية.
وفي الوقت نفسه، ليس هناك إنسان فوق القانون أو فوق النقد، وعلينا تفعيل مبدأ «من أين لك هذا؟»، وأن يخضع الجميع للمساءلة وفق القانون والأصول.
وفي هذا السياق، يبرز أيضًا اسم نظمي مهنا، الذي تولى مسؤولية المعابر لسنوات طويلة في السلطة الفلسطينية. وقد نشرت وسائل الإعلام في حينه أخبارًا عن مصادرة أموال من العملات الأجنبية والذهب ومقتنيات متعددة، ثم تمت إقالته وإحالته إلى التقاعد، وغادر بعد ذلك الضفة الغربية إلى دولة أجنبية، ولم يتم توقيفه، وفق ما هو متداول.
والمطلوب اليوم هو محاسبة كل من يتطاول على المال العام، دون استثناء، ومحاسبة كل من يملك حسابات مالية أو ممتلكات تثير الشبهات، وفق مبدأ «من أين لك هذا؟»، وبما يضمن العدالة وسيادة القانون. وحماية المال العام .
لذلك، فإن المطلوب هو ألّا نصدر الأحكام قبل القضاء، وأن تتحقق العدالة وفق القانون والقضاء، وأن يأخذ كل شخص حقه في الدفاع عن نفسه، وأن تكون الإدانة أو البراءة من اختصاص القضاء وحده.
وعلى كل العقلاء وأصحاب الضمير الحي، وخاصة في حركة فتح، التي تعتبر العمود الفقري للثورة الفلسطينية، معالجة مختلف القضايا بعيدًا عن الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، بما يحافظ على وحدة حركة فتح، صاحبة الرصاصة الأولى وانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة.
إن وحدة الحركة، واحترام القانون، ومكافحة الفساد، وحماية المال العام، لا تتعارض مع الحفاظ على مكانة الحركة ودورها الوطني؛ بل إن ترسيخ العدالة والمساءلة والنزاهة هو ما يعزز ثقة شعبنا بها ..
والله ولي التوفيق والسداد.
عمران الخطيب