جاري التحميل...

العقل العربي بين مصائد التحييد ومشاريع الاستعادة

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين.

لم يكن العقل العربي يومًا عقلًا مُحايدًا أو أداةً صامتة للتأمل، بل كان، عبر القرون، قلب الحضارة الإسلامية والعربية، ومنارةً أضاءت دروب الإنسانية بالمعرفة، من الفلسفة إلى الطب، ومن الرياضيات إلى علم الاجتماع. فابن رشد الذي وقف في مواجهة غطرسة النقل على حساب العقل، والفارابي الذي حاول أن يُعيد صياغة الفلسفة في أفق المدينة الفاضلة، وابن خلدون الذي أسس علم العمران البشري، ليسوا سوى بعض النماذج التي تؤكد أن العقل العربي كان، ولا يزال، فاعلًا تاريخيًا. لكنّ هذا العقل، في لحظتنا الراهنة، بات يواجه “مصائد التحييد”، وهي استراتيجيات مُمأسسة تهدف إلى ترويضه، عزله عن قضاياه، وشلّ قدرته على إنتاج مشروع نهضوي جديد.

إنّ قراءة هذا الواقع لا يمكن أن تتم من موقع الدفاع الغريزي أو منطق الإسقاط الدفاعي وحده، بل تحتاج إلى مساءلة فلسفية صارمة تستنطق الجذور، وتواجه أعقد الأسئلة. كما يقول بول ريكور: “المساءلة هي فعل استعادة الذاكرة لمصلحة المستقبل، لا للاحتماء بالماضي.”

أولًا: تفكيك الثوابت وتلويث الجذور
يبدأ المشروع التحييدي بمحاولة إضعاف هوية الأمة عبر ضرب ركائزها: الدين، اللغة، والقضايا المركزية. لقد تحوّل التراث، في الخطاب الاستعماري وما بعده، إلى “متّهم” يُحاكم في محكمة الحداثة الغربية. فبدل أن يُقرأ بوصفه مخزونًا حضاريًا قابلًا للتجديد، جرى تقديمه كعبء يعوق التقدم. هذا ما حذّر منه إدوارد سعيد حين قال: “الهيمنة الثقافية الغربية لا تكتفي بالسيطرة على الأرض، بل تعمل على إعادة تشكيل ذاكرة الشعوب ووعيها بذاتها.”

ثانيًا: تحييد العقل عن قضاياه الكبرى
استنزفت هجرات العقول العربية رأسمالنا البشري. فالبيئة السلطوية القامعة للحرية الفكرية تحوّل المبدع إلى لاجئ في وطنه أو مهاجر في الخارج. وهكذا يُختزل العقل في ردود فعل مُقيّدة بدل أن يكون مبادرًا خلاقًا. ولعلّ قول ميشيل فوكو في المراقبة والمعاقبة يفسر هذا المشهد: “السلطة لا تقتل الجسد فقط، بل تخلق أجسادًا طيّعة.” وهذا ما جرى للعقل العربي الذي تحوّل إلى أداة خاضعة، بدل أن يبقى ذاتًا فاعلة.

ثالثًا: تجزئة العقل وتجميده
من أخطر مصائد التحييد تحويل العقل الجمعي إلى “عقول طائفية ومذهبية” متناحرة. إن استدعاء الصراعات التاريخية القديمة، وتحويلها إلى حاضر متوتر، يُنتج ذهنية أسيرة للماضي. لقد أدرك عبد الرحمن الكواكبي مبكرًا أن الاستبداد يقتات على الانقسامات الداخلية، حين قال: “الاستبداد أصل كل فساد.” ولذلك فإن تجاوز هذه المصيدة يمرّ عبر بناء منظومات تعليمية تُنتج معرفة نقدية، بدل تكرار المعرفة الميتة.

رابعًا: الغياب الفلسفي الموجِّه
الفلسفة، كما يؤكد هيدغر، ليست علمًا يُضاف إلى بقية العلوم، بل هي “البوصلة التي تُوجّه مسار الفكر الإنساني.” غياب فلسفة عربية نابعة من بيئتنا جعلنا أسرى للقوالب الغربية الجاهزة. فالعقل العربي لم يدخل في حوار نقدي مع الفلسفة الغربية، بل استسلم لترجمتها واتباعها كما لو كانت وحيًا جديدًا. وهنا يتجلى الخلل: غياب مشروع فلسفي ذاتي يجعل العقل العربي مُهيأ دومًا للارتهان.

خامسًا: التزييف الإعلامي وإعادة تشكيل الوعي
الإعلام، وهو الأداة الأكثر نفاذًا في عصرنا، تحوّل إلى مصنع ضخم لإعادة تشكيل الوعي. لقد رأينا كيف جرى تصوير “الربيع العربي” بوصفه ثورة ديمقراطية ثم تحول سريعًا إلى كابوس دموي. ورأينا، وما نزال، كيف يُقدَّم الشعب الفلسطيني باعتباره “المعتدي” بينما يُصوَّر الاحتلال كـ”مدافع عن النفس.” هنا يتجلى ما قاله غرامشي عن الهيمنة: “السيطرة لا تُمارس بالقوة وحدها، بل عبر بناء سردية تفرض نفسها كحقيقة.”

مشروع الاستعادة: نحو عقل عربي فاعل
إنّ استعادة العقل العربي من مصائد التحييد ليس مجرّد مهمة فكرية، بل هو مشروع حضاري شامل. لا بدّ من صياغة خطاب فلسفي عربي المصدر، يوازن بين الأصالة والتجديد، ويُعيد الثقة بقدرة الهوية على استيعاب الحداثة بدل الارتهان لها. إننا بحاجة إلى ما سماه محمد عابد الجابري بـ”العقل النقدي” الذي لا يخضع لإملاءات الخارج، بل يُمارس استقلاليته على أسس من التراث والحداثة معًا.

المطلوب هو تعليم يُحرّر، إعلام يُنير، فلسفة تُوجّه، وسياسة تُعيد الاعتبار للإنسان كقيمة عليا. وحين يتحقق ذلك، يمكن للعقل العربي أن يعود فاعلًا في صناعة التاريخ، لا مجرد هامش عليه.

خاتمة
بين مصائد التحييد ومشاريع الاستعادة يقف العقل العربي اليوم على مفترق طرق. فإذا استسلم للمصائد سيبقى في دائرة التبعية، أما إذا انخرط في مشروع استعادة حقيقي فسوف يتحول إلى قوة تغيير حضارية. وكما قال هابرماس: “لا يمكن لأي أمة أن تدخل المستقبل بغير عقل نقدي، وإرادة جماعية لصناعة المعنى.”

إنّ مشروع الاستعادة هو صرخة وجودية: إمّا أن يكون العقل العربي صانعًا للزمن، أو يبقى محكومًا بإيقاع الآخرين.