جاري التحميل...

الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي في مناخات «الجنون المعقول»

د.صالح الشقباوي

لم يعد الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي مجرد صراع سياسي على الحدود أو تنازعاً تقليدياً على الأرض، بل أصبح صراعاً على معنى الوجود نفسه، وعلى من يملك حق تعريف التاريخ والجغرافيا والهوية. وفي الضفة الغربية تحديداً، تتصاعد الهجمة الاستيطانية بصورة تكشف انتقال اليمين الإسرائيلي من مشروع السيطرة السياسية إلى محاولة إعادة تشكيل المكان ديموغرافياً وجغرافياً، ودفع الفلسطيني نحو الخروج من أرضه.
وهنا تظهر مفارقة ما يمكن تسميته «الجنون المعقول»: أي أن تتحول أفكار تبدو شديدة التطرف واللامعقولية إلى سياسات يجري تقديمها باعتبارها عقلانية وواقعية، وأن يصبح اقتلاع الإنسان من أرضه فعلاً سياسياً قابلاً للتبرير باسم الأمن أو التاريخ أو الدين.
توراتية المكان أم تاريخ المكان؟
إن أحد أخطر التحولات الراهنة يتمثل في صعود خطاب ديني قومي يستند إلى قراءات توراتية وتلمودية متشددة، ويحول النص الديني إلى أداة لتحديد الملكية السياسية للأرض.
غير أن التعامل مع هذه المسألة يحتاج إلى التمييز بين الإيمان الديني بوصفه حقاً إنسانياً، وبين تحويل قراءة دينية معينة إلى سند حصري للسيادة السياسية وامتلاك الأرض وطرد سكانها.
فالأرض الفلسطينية ليست صفحة فارغة تنتظر نصاً دينياً كي يمنحها هويتها. إنها فضاء تاريخي عاش فيه الكنعانيون، وتطورت فيه حضارات وشعوب ومجتمعات متعاقبة، وتشكلت فيه عبر القرون هوية فلسطينية عربية ذات جذور عميقة.
كما أن القول إن نصاً دينياً دُوّن في سياقات تاريخية بعيدة يستطيع وحده أن يحسم ملكية أرض معاصرة، هو اختزال شديد التعقيد للتاريخ والجغرافيا والإنسان. النص لا يستطيع أن يلغي الإنسان، والإيمان لا يمنح صاحبه حق إلغاء إيمان الآخرين أو وجودهم.
عندما يتحول الدين إلى أيديولوجيا إقصاء
المشكلة ليست في التوراة بوصفها نصاً دينياً، ولا في اليهودية بوصفها ديانة، وإنما في التوظيف السياسي المتطرف للنصوص الدينية وتحويلها إلى أيديولوجيا إقصائية.
عندما يُقال إن الله يقاتل نيابة عن جماعة بشرية بعينها، وإن الآخرين خُلقوا لخدمتها أو إن وجودهم أدنى منها، فإننا ننتقل من الإيمان إلى توظيف الإله في الصراع السياسي.
وهنا تظهر الإشكالية الفلسفية الكبرى: كيف يمكن لإله عادل أن يصبح ملكاً حصرياً لشعب واحد؟
إن الله، إذا كان رب العالمين، لا يمكن أن يكون إلهاً قومياً بالمعنى السياسي الضيق. والعدالة الإلهية لا يمكن أن تكون امتيازاً عرقياً أو قومياً. لذلك فإن أخطر ما يفعله التطرف الديني هو اختزال المطلق الإلهي في مشروع سياسي بشري، ثم منح هذا المشروع حصانة أخلاقية بحجة أنه «إرادة الله».
الضفة الغربية: محاولة إعادة إنتاج 1948
إن ما يجري في الضفة الغربية يثير لدى الفلسطيني سؤالاً وجودياً بالغ القسوة: هل هناك محاولة لإعادة إنتاج منطق عام 1948، أي تحويل الفلسطيني من صاحب أرض إلى لاجئ جديد؟
لكن الزمن تغير.
الفلسطيني الذي عاش النكبة لم يعد هو الفلسطيني نفسه الذي يعيش اليوم. لقد تغير وعيه بذاته، وتغير إدراكه لتاريخه، وأصبحت الأرض بالنسبة إليه ليست مجرد عقار يمكن بيعه أو تركه، بل أصبحت جزءاً من كينونته وذاكرته ووجوده.
ولهذا فإن محاولة اقتلاعه بالقوة لا تعني فقط نقله من مكان إلى آخر، وإنما تعني محاولة اقتلاع ذاكرة جماعية متجذرة في المكان.
والفلسطيني، في وعيه المعاصر، يرى البقاء في وطنه قضية وجود لا قضية تفاوض على قطعة أرض. ومن هنا يمكن فهم إصراره على الصمود، واستعداده لدفع أثمان باهظة من أجل ألا تتحول فلسطين مرة أخرى إلى ذاكرة لاجئين جدد.
«الجنون المعقول» ومأزق اليمين الصهيوني
إن اليمين الإسرائيلي المتطرف يقع في مفارقة تاريخية عميقة: فهو يعتقد أن استخدام القوة يستطيع أن يحسم سؤال الهوية، بينما التجربة التاريخية تثبت أن القوة قد تسيطر على الجغرافيا مؤقتاً، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تلغي الذاكرة.
يمكن أن تُهدم البيوت، ويمكن أن تُصادر الأراضي، ويمكن أن تتغير الخرائط، لكن لا يمكن بسهولة محو الإنسان من ذاكرته أو محو ذاكرته من الإنسان.
ولهذا فإن الاستيطان، مهما اتسع، لا يستطيع وحده أن ينتج شرعية تاريخية. الاستيطان قد يفرض واقعاً بالقوة، لكنه لا يستطيع تحويل القوة إلى حق أبدي.
وهنا تكمن مفارقة «الجنون المعقول»: أن يعتقد صاحب القوة أن امتلاكه للقوة يعني امتلاكه للحقيقة، وأن يظن أن تكرار الفعل ذاته سيؤدي دائماً إلى النتيجة ذاتها.
لكن التاريخ ليس آلة تكرار.
هوية الزمن قد تغيرت
لقد تغيرت هوية الزمن الفلسطيني.
فلسطينيو اليوم ليسوا فلسطينيي الأمس. لقد ولد جيل جديد وهو يرى وطنه من خلال التاريخ والذاكرة والتعليم والإعلام والوعي السياسي العالمي. وأصبح سؤال فلسطين جزءاً من نقاش عالمي حول الاستعمار والاحتلال وحقوق الإنسان والعدالة.
لذلك فإن الرهان على أن الفلسطيني سيغادر أرضه ببساطة كما حدث في ظروف النكبة، هو رهان على زمن لم يعد موجوداً.
إن الفلسطيني يريد أن يبقى، وأن يعيش، وأن يبني، وأن يحمي ذاكرته ومكانه. وإذا أُجبر على الاختيار بين الرحيل والبقاء، فإن معنى الصمود بالنسبة إليه قد يصل إلى أقصى درجات التضحية، لأن الوطن في الوعي الفلسطيني ليس مكاناً خارج الذات، بل جزء من الذات نفسها.
الهزيمة التاريخية القادمة
قد يحقق اليمين الصهيوني المتطرف انتصارات عسكرية أو جغرافية مؤقتة، وقد يستطيع فرض وقائع جديدة بالقوة، لكنه يواجه سؤالاً تاريخياً أكبر من قدرته على الإجابة عنه:
هل يمكن لمشروع سياسي أن ينتصر نهائياً إذا كان يحتاج باستمرار إلى إنكار وجود الآخر؟
إن الهزيمة التاريخية الكبرى التي قد تنتظر هذا اليمين لن تكون بالضرورة هزيمة عسكرية مباشرة، بل هزيمة لفكرته عن التاريخ، وعن الإنسان، وعن علاقة الدين بالأرض.
فحين تُستخدم التوراة أو التلمود لتبرير الإقصاء، وحين تُنسب إلى الله إرادة قتال شعب ضد شعب، فإن المشكلة لا تعود في الفلسطيني وحده، بل تصبح أزمة في صورة الإله التي يصنعها الإنسان لنفسه.
فالإله الذي يُختزل في إرادة جماعة بشرية ضد جماعة أخرى يفقد، في هذا التصور البشري، صفته الكونية. أما الله العادل، فلا يمكن أن يكون رباً لجماعة دون أخرى، ولا يمكن أن تكون العدالة السماوية امتيازاً قومياً.
ومن هنا فإن الانتصار الحقيقي ليس انتصار شعب على شعب، وإنما انتصار الإنسان على منطق الإقصاء، وانتصار العدالة على القوة، وانتصار الحقيقة التاريخية على الأسطورة السياسية.
وهذه هي المفارقة الكبرى التي ستواجه اليمين الصهيوني المتطرف: قد يملك القوة، لكنه لا يستطيع أن يملك الزمن؛ وقد يستطيع أن يفرض واقعاً، لكنه لا يستطيع أن يفرض على التاريخ أن يصدّق روايته إلى الأبد.
إن فلسطين ليست مجرد أرض في الصراع؛ إنها سؤال الإنسان عن حقه في الوجود. وحين يصبح الوجود الفلسطيني نفسه عصياً على الاقتلاع، فإن «الجنون المعقول» يتحول في النهاية إلى مأزق تاريخي لأصحابه.

د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2