جاري التحميل...

المعرفة اللاهوتيّة

د. عدنان عويّد
لقد ظلت مسألة اكتساب المعرفة عبر تاريخ الفكر والفلسفة, قضيّة إشكاليّة, تمثلت هذه الاشكاليّة في السؤال المشروع والاجابة عنه, وهو كيف تشكلت المعرفة وكيف نمت وتطورت وتحولت إلى قوة تفرض سيطرتها على الفرد والمجتمع, وتحدد سلوكهما ومجموعة القيم الروحيّة التي يتحلون بها,
بداية لا بد لنا أن نؤكد على مسألة أساسيّة هنا وهي: ليس من السهل بمكان على الباحث أن يتقصى كل المواقف الفكريّة الفلسفيّة التي اشتغلت على هذا الاتجاه. أي على تتبع المواقف التي نظرت في كيفّيّة تشكل المعرفة ومكانة ودور العقل والتحربة العمليّة والحسيّة في إنتاجها. وبالتالي لا بد لنا أن نقف هنا عند أهم تلك المواقف لعلها تقدم لنا الغرض المعوّل عليه في هذه الدراسة المتواضعة.
أولا المرحلة اللاهوتيّة في اكتساب المعرفة:
اعتبر “أوغست كونت” العقل نتاج المرحلة الاولى من التطور البشري, حيث كان الانسان يفكر فيها – أي المرحلة – بطريقة غيبيّة, لاعتقاده بأن الطبيعة تسير وفق أهواء ورغبات قوى خفيّة مفارقة للطبيعة بشقيها الطبيعي والإنساني وتتحكم فيها، وهذا يعني أن هناك حتميةً غيبيةً (مفارقة للواقع) تتحكم في سيرورة وصيرورة هذه الطبيعة, مع وجود اعتقاد أيضا لدى بعضهم في مرحلة لا حقة, بأن للمصادفة دوراً هاماً في تحديد هذه السيرورة والصيرورة. والعقل في الفكر اللاهوتي الديني وخاصة في الفكر الإسلامي الأصولي منه على سبيل المثال لا الحصر, لا يخرج في الحقيقة عن هذا التصور للعقل اللاهوتي في مرجعياته. حيث ورد حديث للرسول أورده أبو هريرة يقول فيه عن مرجعية العقل ودوره ومكانته في حياة الإنسان:” لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَقْلَ قَالَ لَهُ : قُمْ ، فَقَامَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : اقْعُدْ فَقَعَدَ ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَا خَلَقْتُ خَلْقًا خَيْرًا مِنْكَ ، وَلا أَكْرَمَ مِنْكَ ، وَلا أَفْضَلَ مِنْكَ ، وَلا أَحْسَنَ مِنْكَ ، بِكَ آخُذُ ، وَبِكَ أُعْطِي ، وَبِكَ أُعِزُّ ، وَبِكَ أُعْرَفُ ، وَإِيَّاكَ أُعَاتِبُ ، بِكَ الثَّوَابُ ، وَعَلَيْكَ الْعِقَابُ ” .)
إن العقل هنا معطى الهيّا فرضته حتمية جبريّة من خارج التاريخ البشري, أي منحه الله وجسد فيه القدرة على تحديد مسار الإنسان ومآله. وبالتالي لا يوجد أي دور لحياة الإنسان ونشاطه, في تشكيل هذا العقل, أو تحديد مساره ومآله. (وعلم آدام الأسماء كلها). وهذا ما يسمى فلسفياً بالمثاليّة الموضوعيّة.