بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.
منذ نشوء الفكرة السياسية الحديثة، ظلّ السؤال حول طبيعة الدولة ومصدر شرعيتها واحدًا من أعقد الإشكاليات التي شغلت الفلاسفة والمفكرين ورجال الدين على حد سواء. فبين من يرى الدولة تعبيرًا عن التعاقد الاجتماعي والإرادة الشعبية، ومن يربطها بالحاكمية الإلهية والتفويض الديني، يتجلى الصراع الأزلي بين المقدّس والدنيوي، وبين العقل والإيمان. في هذا السياق، يطرح المقال قراءة فلسفية ونقدية لمفهومي الدولة المدنية والدولة الدينية (الثيوقراطية)، ساعيًا إلى تفكيك بنيتهما النظرية، وإضاءة التوتر الكامن بينهما، من خلال شواهد تاريخية وفكرية ممتدة من أثينا إلى بغداد، ومن باريس إلى طهران.
في سياق البحث في منظومات الدول واتراتيجياتها، تنشأ تساؤلات جوهرية: هل يمكن، في ظل المنظومة القيمية والفكرية والعقدية التي جاء بها الدين الإسلامي، أن تقوم دولة دينية ثيوقراطية؟ أم أن هذه المنظومة أقرب إلى تقرير مبدأ الدولة المدنية؟
هذه التساؤلات تفتح نوافذ متعددة على قراءة مصدر الشرعية في النظام السياسي المنسجم مع تلك المنظومة: هل الشرعية مستمدة من الحاكمية الإلهية والشريعة، أم من الشعب؟ وهل السيادة على الأرض لله وحده، أم للأمة؟
تدفعنا هذه الإشكاليات إلى التوقف عند مفهوم الدولة الحديثة وطبيعتها، من حيث إنها كيان علماني شامل نشأ لمواجهة الحكم الديني المطلق، وانتهى في بعض صيغها المتطرفة إلى علمانية جذرية. وهنا، تبرز الحاجة إلى فحص مفهوم “الدولة الإسلامية” (الدينية/الثيوقراطية)، كما يتبناه اليوم عدد من الإسلاميين الذين يدعون إلى أولوية إقامة الدولة الإسلامية أو الخلافة.
وبنظرة فاحصة إلى مفهوم الحكم والدولة الثيوقراطية في علم السياسة، نجد أن “الثيوقراطية” تقوم على حكم رجال الدين أو الحكومة الدينية، وتستمد شرعيتها من الإله؛ إذ يدّعي الحاكم أنه يحكم باسمه، وأن شرعيته متأسسة على حق إلهي مفوّض، لا على مرجعية بشرية. ومن هنا، فإن الحكم الثيوقراطي بطبيعته مطلق ونهائي، يجعل للسيادة مصدرًا واحدًا هو الحاكم باسم الله.
في عمق التجربة الإنسانية، يتجلى الصراع الأبدي بين المقدس والدنيوي، بين الحقيقة الإلهية وواقع السلطة البشرية. ومن رحم هذا التوتر، نشأ جدل فلسفي لا ينقطع حول طبيعة الدولة ومصدر مشروعيتها وحدود تدخلها في الشأنين الفردي والجماعي. ويبلغ هذا الجدل ذروته حين تتموضع الدولة على أحد طرفي الطيف: إما مدنية تستمد شرعيتها من الإنسان، أو ثيوقراطية تدّعي النطق باسم الإله.
هذا البحث يحاول تفكيك هذين النموذجين فلسفيًّا، والتأمل في العلاقة بين المقدس والسياسي عبر شواهد تمتد من أثينا إلى بغداد، ومن باريس إلى طهران.
_ أولًا: الدولة المدنية – الفكرة والمرجعية الفلسفية:
الدولة المدنية تجلٍّ لسلطة عقلانية، تستند إلى التعاقد الاجتماعي، وتقوم على الحياد إزاء الانتماءات الدينية والطائفية، متخذة من “المواطنة” معيارًا وحيدًا للانتماء.
إنها ليست دولة ضد الدين، بل دولة فوق الطوائف والمذاهب.
_ الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588–1679)، مؤلف كتاب اللفياثان، يرى أن الإنسان، حين خرج من “حالة الطبيعة” إلى “حالة المجتمع”، تنازل عن بعض حرياته لصالح كيان سياسي يحفظ الأمن والنظام. غير أن هذا الكيان لا يملك سلطة تفسير الغيب أو فرض العقائد، بل يمارس سلطته في إطار دنيوي بحت.
_ أما المفكر السياسي جون لوك، فقد أسَّس لفكرة التسامح الديني شرطًا للتعايش داخل الدولة المدنية، رافضًا تدخل السلطة في الإيمان، ومميزًا بين “الكنيسة” كمجتمع طوعي، و”الدولة” كمجتمع سياسي قائم على الإرادة العامة.
وفي السياق العربي-الإسلامي، شكّلت أطروحات محمد عبده وعلي عبد الرازق نواة مبكرة لتأصيل فكرة الدولة المدنية. فقد رأى عبد الرازق في كتابه الإسلام وأصول الحكم أن الخلافة ليست من الدين، بل هي مؤسسة دنيوية محضة، خاضعة لظروف الزمان والمكان.
_ ثانياً: الدولة الدينية (الثيوقراطية) – تجسيد المقدس في السياسي:
تفترض الثيوقراطية أن التشريع ليس من حق الإنسان، بل هو امتياز إلهي يُحتكر تفسيره من قبل سلطة دينية. في هذا النموذج، يصبح الدين مصدر السيادة، ورجال الدين هم حراس النص والحق.
في العصور الوسطى، جسدت الكنيسة الكاثوليكية هذا النموذج بتحالفها مع الملكيات، مستخدمة المحاكم الكنسية والحرمان الديني لضبط المجالين السياسي والأخلاقي. وقد واجه هذا النموذج نقدًا فلسفيًا حادًا من سبينوزا، الذي رأى في خلط الدين بالسياسة خطرًا على حرية الفكر، وقال في رسالته اللاهوتية–السياسية: “لا تكون الدولة حرّة إلا حين يُسمح للفكر بأن يكون حرّاً”.
_ أما في السياق الإسلامي، فقد برز نموذج “الإمام–الحاكم” في الفكر الشيعي، خصوصًا في نظرية ولاية الفقيه لدى الخميني، والتي تعني خضوع الشأن السياسي لتأويل ديني مركزي. ويشير المفكر عبد الجواد ياسين إلى أن هذا النمط يمثل “اختطافًا لسلطة التأويل” من المجال العمومي، وتحويل الدين إلى مؤسسة احتكارية.
_ ثالثاً: التوتر بين المقدس والسياسي – محاولة للفهم:
ينبع التوتر بين الدولة المدنية والدينية من اختلافهما في تصور “مصدر الشرعية” و”غاية السلطة”. فبينما ترى الدولة المدنية أن الشرعية تُنتَج من الأسفل (الشعب)، ترى الدولة الدينية أنها تنحدر من الأعلى (الإله). وهنا يكمن جوهر الفارق الفلسفي بين نموذجين للوجود السياسي: الأول عقلاني، نسبي، متغير؛ والثاني غيبي، مطلق، وثابت.
وقد أشار الفيلسوف الألماني هيغل إلى أن “الدولة هي التجلي الأسمى للروح في التاريخ”، ما يعني أنها كيان اجتماعي وتاريخي، لا يمكن اختزالها في إرادة دينية ميتافيزيقية.
أما أنصار الدولة الدينية، فيرون أن الإنسان محدود، وأن القانون الإلهي وحده الضامن للعدالة. غير أن هذه الحجة تفترض تفسيرًا واحدًا للنص، وتقصي التعدد التأويلي، وهو ما حذّر منه نصر حامد أبو زيد حين تحدث عن “تأويل النص بوصفه سلطة”، داعيًا إلى تحريره من هيمنة المؤسسة الدينية.
_ رابعاً: نحو فلسفة سياسية تتجاوز الثنائيات:
قد يكون الحل في تجاوز الثنائية الصارمة بين الدولة المدنية والدينية، نحو تصور ثالث يُقرّ بدور الدين في إلهام القيم الأخلاقية، دون أن يحتكره كنظام سياسي. فالدولة، كما ترى حنّة آرنت، هي فضاء للحرية، لا تستقيم إن أخضعت الإنسان لإرادة مطلقة لا تقبل الجدل أو التعديل.
إن الحاجة إلى دولة عقلانية، دستورية، تحترم الإنسان كذات فاعلة ومتفكرة، لا تتناقض مع الروح الدينية، بل تحميها من التشويه السياسي، وتبقيها في مجالها الطبيعي: الضمير والوجدان والأخلاق.
النظر إلى الدولة بوصفها مفهوماً فلسفياً، لا مجرد جهاز إداري،يقودنا إلى أسئلة وجودية حول الحرية، السلطة، والمقدس. وبين الدولة المدنية والثيوقراطية، لا ينتصر العقل إلا إذا انفتح على القيم، ولا يحمي الإيمان إلا إذا تحرر من أدوات القهر.
وفي زمن تتقاطع فيه النزعات الشمولية مع الهويات المغلقة، تظل الدولة المدنية أفقًا مفتوحًا للإنسان، بوصفه كائنًا حرًّا، يُنتج المعنى، ويصوغ المصير.