جاري التحميل...

بين المشرق والمغرب: حين تتكلم الإبستمولوجيا بلسان الإيديولوجيا:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين

ليس الصراع بين المشرق العربي ومغربه صراعًا جغرافيًا بالمعنى الضيق، ولا هو مجرد اختلاف في الأمزجة الثقافية أو طرائق التفكير؛ إنما هو، في أحد وجوهه العميقة، صراعٌ على امتلاك صورة العقل العربي عن نفسه، وعلى تحديد مركز إنتاج المعرفة، ومن يملك حقَّ تمثيل التراث وتأويله وصياغة مستقبله. ومن هنا تصبح العلاقة بين المشرق والمغرب جزءًا من سؤال أوسع: هل استطاع الفكر العربي الحديث أن يتجاوز جغرافيته الثقافية، أم أنه أعاد إنتاج الانقسامات القديمة في صورة مفاهيم ومناهج ونظريات؟

يقول محمد عابد الجابري: «إننا إذا أردنا أن نجد تاريخًا حقيقيًا للفلسفة العربية الإسلامية، فيه شيء من التقدم، وشيء من الانتقال إلى ما هو أبعد، فهذا التاريخ لا يمكن أن نجده إلا إذا بنيناه على أساس أن النظرة الأندلسية المغربية قد تجاوزت منهجيًا النظرة المشرقية».
تكشف هذه العبارة، في ظاهرها، عن أطروحة إبستمولوجية تتصل بتطور العقل الفلسفي العربي الإسلامي، لكنها، عند إخضاعها للتفكيك النقدي، تفتح سؤالًا آخر أكثر حساسية: هل نحن أمام قراءة معرفية للتاريخ، أم أمام إعادة ترتيب رمزي لمراكز القوة داخل الثقافة العربية؟

هنا تحديدًا يظهر حضور الإيديولوجيا؛ حضورًا قد لا يكون معلنًا، لكنه يتسلل من خلف المصطلح والمنهج والاختيار التاريخي. فحين تُرفع مدرسة فكرية إلى مرتبة التجاوز، وتوضع مدرسة أخرى في مرتبة المنهج الذي جرى تجاوزه، فإننا لا نكون أمام وصف محايد للتاريخ فحسب، بل أمام سلمٍ تقويمي يمنح طرفًا موقع الريادة، ويعيد تعريف الطرف الآخر بوصفه مرحلة سابقة أو أقل نضجًا.
وليس المقصود بذلك التقليل من القيمة الفكرية لمشروع الجابري؛ فقد كان مشروعه من أكثر المشاريع العربية الحديثة جرأة في إعادة مساءلة التراث والعقل العربي، ولا سيما في كتابه «نقد العقل العربي»، حيث حاول الانتقال من سؤال: ماذا قال التراث؟ إلى سؤال أكثر جذرية: كيف تشكلت آليات إنتاج المعرفة داخل هذا التراث؟ وهذه النقلة نفسها ذات قيمة إبستمولوجية كبرى.

لكن النقد الحقيقي لا يكتفي بتقدير المشروع؛ بل يسأل عن المقدمات التي تحكمه، وعن المناطق التي يصمت عنها، وعن المفاهيم التي تتحول، من حيث لا ندري، إلى أدوات لإنتاج المركز والهامش.

لقد كان الجابري، في قراءته للعقل العربي، شديد الاهتمام بالتمييز بين المشرق والمغرب، وبين البيان والعرفان والبرهان، وجعل من المجال المغربي والأندلسي فضاءً أكثر اقترابًا من العقلانية البرهانية، في مقابل هيمنة أنماط معرفية أخرى في المشرق. غير أن هذا التقابل، إذا أُخذ بصورة مطلقة، قد يتحول من أداة تحليلية إلى ثنائية إيديولوجية: مشرقٌ يُحمّل مسؤولية التعثر، ومغربٌ يُمنح وظيفة التجاوز.
وهنا ينبغي استحضار تنبيه عبد الله العروي إلى خطورة التعامل مع المفاهيم التاريخية خارج شروط تشكلها؛ فالمفهوم ليس مجرد كلمة محايدة، بل هو نتاج تاريخ اجتماعي وسياسي وفكري. كما أن العروي، في نقده للوعي العربي، جعل من مسألة التاريخانية مدخلًا ضروريًا للخروج من إسقاط الحاضر على الماضي. ومن هذا المنظور، فإن قراءة المشرق والمغرب ينبغي ألا تتحول إلى محاكمة أخلاقية أو حضارية بين مجالين، بل إلى دراسة لتعدد شروط إنتاج المعرفة داخلهما.

أما محمد أركون فقد دفع السؤال إلى مستوى أكثر راديكالية، حين دعا إلى مساءلة ما سماه «اللامفكَّر فيه» داخل التراث الإسلامي؛ أي تلك المناطق التي استبعدها العقل الموروث من دائرة التفكير، والتي قد تستمر في تشكيل وعينا الحديث دون أن نشعر. ومن هذه الزاوية يمكن أن نسأل: أليس من «اللامفكر فيه» أيضًا أن ننظر إلى المشرق والمغرب باعتبارهما كتلتين معرفيتين متجانستين؟
فالمشرق لم يكن عقلًا واحدًا، كما أن المغرب لم يكن عقلًا واحدًا.

في المشرق وُجدت تيارات فلسفية وعقلانية ونقدية بالغة العمق؛ من الكندي والفارابي وابن سينا إلى المعتزلة وإخوان الصفا، ومن أبي حيان التوحيدي إلى مسارات متعددة في علم الكلام واللغة وأصول الفقه. وفي المغرب والأندلس، إلى جانب ابن باجة وابن طفيل وابن رشد، كانت هناك تيارات معرفية وروحية وفقهية ولغوية شديدة التنوع. ولذلك فإن تحويل الجغرافيا إلى جوهر معرفي ثابت قد يفضي إلى اختزال التاريخ أكثر مما يفسره.
وهنا يكتسب موقف زكي نجيب محمود أهميته؛ فقد كان يرى أن النهضة لا تقوم على تمجيد الموروث ولا على القطيعة العمياء معه، بل على امتلاك العقل لأدوات التفكير العلمي والنقدي. فالمعيار، في النهاية، ليس أن يكون الفكر مشرقيًا أو مغربيًا، وإنما أن يكون قادرًا على إنتاج السؤال، واختبار الفكرة، ومراجعة مسلماته.

ومن جهة أخرى، فإن طه عبد الرحمن يقدم لنا، من داخل الفكر المغربي نفسه، نموذجًا يزعزع أي تصور يجعل «المغرب» كتلة عقلانية واحدة. فقد بنى مشروعه على نقد عدد من المسلمات التي حكمت الحداثة العربية، ودافع عن مركزية الأخلاق والعمل في بناء الفعل الإنساني. وبذلك يكشف لنا الفكر المغربي ذاته عن تعدد داخلي لا يسمح بإحالته إلى نموذج إبستمولوجي واحد.
أما عبد الرحمن بدوي، القادم من السياق المشرقي، فقد كان أحد أبرز الفلاسفة العرب الذين انخرطوا في الفلسفة الوجودية والظاهراتية، واشتغل على قضايا فلسفية حديثة بمنهج لا يمكن اختزاله في صورة «المشرق التقليدي». وهذا وحده يكفي للدلالة على أن الحدود الجغرافية لا تستطيع أن تفسر وحدها حركة الأفكار.

إن الإشكال، إذن، ليس في القول إن بعض التجارب المغربية والأندلسية قد تجاوزت بالفعل بعض الأنماط الفكرية المشرقية في مراحل تاريخية معينة؛ فهذا قابل للبحث والمناقشة. الإشكال يبدأ عندما يتحول هذا الحكم التاريخي الجزئي إلى قانون شامل لتفسير العلاقة بين المشرق والمغرب.
فالتراث العربي الإسلامي لم يكن طريقًا مستقيمًا ينتقل فيه العقل من المشرق إلى المغرب، ثم يبلغ في الغرب الإسلامي ذروةً نهائية. إنما كان أشبه بشبكة هائلة من الحوار والتفاعل والرحلة والترجمة والتأثير المتبادل. انتقلت الكتب والأفكار والعلماء بين الحواضر، كما انتقلت الأسئلة والمناهج والمصطلحات. وكان بغداد ودمشق والقاهرة والقيروان وفاس وقرطبة ومراكش وغيرها حلقات في سلسلة حضارية واحدة، لا جزرًا معرفية منفصلة.

ومن هنا تصبح العبارة الجابرية أكثر قابلية للنقد عندما نضعها في سياق مشروع الجابري نفسه. فالجابري لم يكن يكتب تاريخًا محايدًا للعقل العربي؛ كان يخوض معركة فكرية مع الحاضر العربي من خلال إعادة ترتيب علاقته بالماضي. كان يريد عقلًا عربيًا برهانيًا، قادرًا على القطع مع أنماط معرفية رأى أنها عطلت الفعل التاريخي العربي. ولذلك فإن استدعاء ابن رشد والمغرب والأندلس لم يكن مجرد اختيار تاريخي؛ بل كان يحمل، ضمنيًا، مشروعًا للنهضة في الحاضر.
وهنا يظهر «قناع الإبستمولوجيا» الذي أشرتَ إليه: ليس بمعنى أن الإبستمولوجيا زائفة أو أن المشروع الجابري إيديولوجيا محضة، بل بمعنى أن كل اختيار إبستمولوجي في قراءة التاريخ قد يحمل، في داخله، تصورًا للقيمة والغاية والإنسان والمجتمع والمستقبل.

وهذا ما يجعل العلاقة بين الإبستمولوجيا والإيديولوجيا علاقة شديدة التعقيد. فالمفكر قد يعلن أنه يصف آليات إنتاج المعرفة، لكنه في الوقت نفسه يختار من التاريخ ما يخدم سؤالًا راهنًا. وقد يعلن أنه يفكك العقل، بينما هو، في العمق، يعيد بناء صورة للعقل الذي ينبغي أن يكون.
ولعل علي حرب كان أكثر صراحة في كشف هذه المنطقة الملتبسة، حين جعل النقد موجهًا أيضًا إلى آليات إنتاج الخطاب ذاته؛ فالنص لا يُقرأ فقط من خلال ما يقوله، وإنما من خلال ما يستبعده، وما يمنحه الشرعية، وما يبنيه من ثنائيات ومراكز وهوامش.

لذلك فإن تجاوز الصراع المشرقي ـ المغربي لا يكون بانتصار المشرق على المغرب، ولا المغرب على المشرق، وإنما بتحرير العقل العربي من الحاجة إلى صناعة مركز ينتصر على مركز آخر.
فليس المطلوب أن نقول: إن المغرب أكثر عقلانية من المشرق؛ ولا أن نقول العكس. المطلوب أن نسأل: ما الشروط التاريخية والاجتماعية والسياسية التي أنتجت اختلاف التجارب الفكرية في كل منهما؟ وكيف تفاعلت هذه التجارب؟ وما الذي يمكن للعقل العربي المعاصر أن يتعلمه منها جميعًا؟

إن الحضارة العربية الإسلامية لم تكن حضارة «مشرق» وحضارة «مغرب»، بل كانت فضاءً معرفيًا واحدًا متعدد الأصوات. وإذا كان ابن رشد قد مثّل لحظة فارقة في تاريخ الفلسفة، فإن قيمته لا تكمن في كونه «مغربيًا» ينتصر على «مشرقيين»، بل في كونه جزءًا من سلسلة طويلة من الأسئلة التي صنعها العقل العربي الإسلامي في حوار مستمر مع ذاته ومع الآخر.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الفكر العربي اليوم هو أن يستبدل مركزية قديمة بمركزية جديدة، أو أن يحوّل نقد التراث إلى صراع بين جغرافيتين، أو أن يجعل من المشرق «ماضيًا» ومن المغرب «مستقبلًا». فالتاريخ لا يتحرك بهذه الاستقامة الهندسية.

إن المشرق والمغرب ليسا طرفي خصومة، بل وجهان لذاكرة حضارية واحدة؛ وما بينهما من اختلاف ينبغي أن يتحول من مادة للصراع إلى طاقة للتكامل.
وإذا كان الجابري قد دعا إلى استعادة العقل البرهاني، فإن التحدي الراهن ربما يتجاوز البرهان ذاته إلى مساءلة الشروط التي تجعلنا نختار عقلًا دون عقل، وتراثًا دون تراث، ومركزًا دون مركز.

وهنا تبدأ المهمة الحقيقية للنقد: أن ينزع عن المعرفة أوهام البراءة المطلقة، وعن الإيديولوجيا أوهام الاختفاء الكامل؛ وأن يدرك أن الفكر الذي لا يفحص أدواته قد يتحول، من حيث لا يريد، إلى إيديولوجيا تتحدث بلسان الإبستمولوجيا.

فليس انتصار الفكر أن يثبت أن المشرق أخطأ وأن المغرب أصاب؛ وإنما أن يبلغ مرحلة يصبح فيها المشرق والمغرب معًا موضوعًا للنقد، لا طرفين في معركة النقد. وعندها فقط يمكن للعقل العربي أن يغادر جغرافيا الانقسام إلى أفق الوحدة النقدية؛ حيث لا يكون السؤال: «من تجاوز من؟»، بل: «كيف نتجاوز جميعًا ما منع العقل العربي من أن يكون تاريخًا مفتوحًا على المستقبل؟»