د.صالح الشقباوي
استاذ الفلسفة وعلم الاجتماع
في زمنٍ فلسطيني شديد التعقيد، تتغير فيه الاصطفافات السياسية، وتتبدل فيه موازين القوى، وتُختبر فيه مواقف الرجال، يصبح من الضروري أن نقرأ الأفعال لا الشعارات، وأن نحاكم المواقف بما تقدمه للشعب الفلسطيني، لا بما تقوله المنابر السياسية.
ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن الأخ القائد محمد دحلان أبو فادي لا ينبغي أن يُختزل في الخلافات السياسية أو في الحسابات التنظيمية الضيقة، بل يجب أن يُقرأ في إطار أوسع: إطار العلاقة بين القائد وشعبه، وبين المسؤولية الوطنية والقدرة على تحويل المنفى إلى مساحة فعل سياسي وإنساني.
فمحمد دحلان، مهما اختلفنا معه أو اتفقنا حول مسيرته السياسية، لم يترك غزة وشعب غزة في لحظة محنتهم. لقد حمل همومهم معه إلى المنافي، وظل يبحث عن سبل تقديم الدعم المادي والمعنوي لهم، وعن الوسائل التي يمكن من خلالها تخفيف آلامهم، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، ومساندتهم في مواجهة واقع إنساني بالغ القسوة.
لقد صار يبحث لهم عن قوتٍ يسد جوعهم، وعن خيمة تأوي من فقدوا بيوتهم، وعن دعمٍ مادي ومعنوي يمنحهم شيئًا من القدرة على الصمود. وهذه الأفعال، في زمنٍ تتراجع فيه الكلمات أمام حجم المأساة، تستحق أن تُقرأ بإنصاف.
إن القيادة الوطنية لا تُقاس فقط بموقع صاحبها داخل مؤسسة سياسية، ولا بعدد المناصب التي يشغلها، وإنما تُقاس بمدى شعوره بمأساة شعبه وقدرته على تحويل هذا الشعور إلى فعل.
وغزة اليوم لا تحتاج إلى المزيد من الخطب والشعارات بقدر ما تحتاج إلى من يحمل قضيتها في كل مكان، ومن يستطيع أن يفتح الأبواب المغلقة، وأن يحشد الدعم، وأن يتحرك من أجل الإنسان الفلسطيني الذي فقد بيته وأمنه ومصدر رزقه.
ومن هنا أقول: كل الاحترام والتقدير للأخ القائد أبو فادي محمد دحلان على موقفه تجاه غزة وأهلها، وعلى ما يقوم به من جهود لمساندة أبناء شعبه، خصوصًا في هذه المرحلة التاريخية التي يحتاج فيها الفلسطيني إلى كل يد تمتد إليه، وكل صوت يدافع عنه، وكل جهد يخفف عنه الألم.
ولا يجوز أن تتحول الخلافات السياسية إلى أداة لإلغاء كل ما هو إيجابي في تجربة أي شخصية فلسطينية. فالنقد السياسي حق، والاختلاف حق، لكن الإنصاف أيضًا واجب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمعاناة شعب بأكمله.
إن فلسطين أكبر من فتح وحماس والجهاد وسائر الفصائل، وغزة أكبر من كل الحسابات التنظيمية، والشعب الفلسطيني أكبر من الأشخاص والأحزاب. وما تحتاجه المرحلة هو إعادة بناء مفهوم الوطنية الفلسطينية الجامعة، حيث يصبح معيار الحكم على السياسي هو مقدار ما يقدمه لشعبه وقضيته، لا مقدار قربه أو بعده من هذا التنظيم أو ذاك.
لقد أثبتت التجربة أن المنافي لا تعني بالضرورة الابتعاد عن الوطن. فقد يكون الإنسان بعيدًا بجسده، لكنه حاضر في تفاصيل حياة شعبه، يحمل قضيته معه أينما ذهب، ويبحث عن وسائل دعمها في كل الساحات.
وهنا تكمن قيمة الموقف الذي يُحسب لمحمد دحلان: أنه لم يتعامل مع غزة بوصفها جغرافيا بعيدة، بل بوصفها شعبًا وقضية وذاكرة ومسؤولية.
وفي اللحظة التي يحتاج فيها الفلسطيني إلى التضامن الحقيقي، علينا أن نضع جانبًا بعض الخصومات القديمة، وأن نبحث عن كل مساحة يمكن أن تجمع الفلسطينيين بدل أن تزيد من انقسامهم.
فغزة لا تريد من يتحدث باسمها فقط، بل تريد من يعمل من أجلها.
وغزة لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام، بل تحتاج إلى مشروع وطني جامع، وإلى قيادة تمتلك القدرة على الفعل، وإلى رجال يحملون هموم شعبهم أينما كانوا.
وفي النهاية، يبقى الحكم للتاريخ وللشعب الفلسطيني. أما نحن، فعلينا أن نقول كلمة الحق عندما نرى موقفًا يستحق التقدير، وأن نختلف عندما نختلف، ولكن دون أن نفقد القدرة على الإنصاف.
كل التحية والاحترام للأخ القائد أبو فادي محمد دحلان، ولكل من يحمل هم غزة وأهلها، ويعمل من أجل أن يجد الفلسطيني في غزة قوت يومه، ومأوى يحميه، وكرامة تصون إنسانيته، وأملًا في غدٍ فلسطيني أفضل. لكل ابناء الشعب الفلسطيني .
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع