بقلم د. صالح الشقباوي
تثير أساطير الخلق والوجود في الأديان الإبراهيمية الثلاثة ــ اليهودية والمسيحية والإسلام ــ مجموعة من الأسئلة الفلسفية العميقة حول أصل الكون، ومكان الإنسان فيه، وعلاقته بالمطلق، ومفهوم السماء والأرض والجنة والنار. ويزداد السؤال تعقيداً عندما نلاحظ حضور عناصر رمزية مشتركة، مثل الرقم سبعة، الخلق، الجنة، السقوط، الشيطان، السماء، الأرض، الحساب والجنة والنار.
غير أن المقارنة العلمية تقتضي التمييز بين أمرين: التشابه بين الموروثات الدينية، وبين القول بأن ديناً واحداً “يسيطر” على بقية الأديان. فالتأثير التاريخي والاقتباس والتفاعل الثقافي أمور يمكن دراستها، أما إثبات وجود “ميثولوجيا واحدة مسيطرة” فيحتاج إلى أدلة تاريخية ونصية أكثر دقة.
أولاً: هل الخلق كان في سبعة أيام؟
هنا ينبغي تصحيح مسألة أساسية.
في سفر التكوين في الكتاب المقدس العبري، يرد تصور الخلق في ستة أيام، ثم يأتي اليوم السابع بوصفه يوم السبت والراحة. ولذلك أصبح السبعة رمزاً لاكتمال الدورة: ستة أيام للفعل والخلق، واليوم السابع للراحة والاكتمال.
أما القرآن الكريم فلا يقول إن الله خلق السماوات والأرض في سبعة أيام، بل يذكر في مواضع متعددة أنه خلقهما في ستة أيام. ومن ثم فالتشابه بين الإسلام واليهودية لا يكمن في أن كليهما يقول “سبعة أيام للخلق”، بل في وجود بنية رمزية مرتبطة بالعدد سبعة، مع اختلاف مهم في الصياغة القرآنية.
وهذا الاختلاف مهم فلسفياً؛ لأنه يمنعنا من إسقاط التصور اليهودي مباشرة على النص الإسلامي.
ثانياً: لماذا أصبح الرقم سبعة مقدساً؟
السبعة من أكثر الأعداد حضوراً في الرموز الدينية القديمة. وقد ارتبط في الثقافات القديمة بفكرة الكمال والدورة والتمام والنظام الكوني.
وفي اليهودية اكتسب الرقم سبعة مكانة خاصة من خلال قصة الخلق والسبت. وفي القرآن نجد كذلك حضوراً قوياً للعدد سبعة: سبع سماوات، سبع سنابل، سبع ليالٍ، والطواف سبعة أشواط في الممارسة الإسلامية، وغير ذلك من الاستخدامات.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن كل ظهور للرقم سبعة في الإسلام هو نتيجة نقل مباشر من اليهودية. فالأعداد المقدسة والرموز الكونية كانت موجودة في حضارات قديمة متعددة، ومنها حضارات بلاد الرافدين ومصر وغيرها.
إذن السؤال الفلسفي الأصح ليس: من اخترع الرقم سبعة؟
بل: كيف تحوّل الرقم سبعة إلى رمز للتمام والنظام والاكتمال في المخيال الديني؟
ثالثاً: السماوات السبع
القرآن يتحدث بوضوح عن سبع سماوات. وهنا تظهر مسألة فلسفية مثيرة: هل المقصود سبع طبقات مادية للكون؟ أم سبع مراتب وجودية؟ أم أن اللغة القرآنية تستخدم بنية رمزية مألوفة في التصورات الكونية القديمة؟
لا يمكن حسم هذه المسألة فلسفياً بمجرد المقارنة باليهودية، لأن فكرة السماوات المتعددة ظهرت في تقاليد قديمة ومتنوعة، ولم تكن حكراً على تقليد ديني واحد.
ولهذا يمكن أن ننظر إلى “السماوات السبع” باعتبارها جزءاً من الخيال الكوني القديم الذي حاول الإنسان من خلاله أن يمنح الكون بنية وتراتباً: أرض في الأسفل، وسماوات في الأعلى، ومراتب بين العالم المحسوس والعالم المتعالي.
رابعاً: أين كانت جنة آدم؟
هنا تظهر إحدى أكثر الإشكالات إثارة.
في التصور الكتابي، يوضع آدم وحواء في جنة عدن، ثم تأتي قصة الأكل من الشجرة والخروج من الجنة.
أما القرآن فيذكر أن آدم وزوجه أُسكنا الجنة، ثم أُهبطا إلى الأرض بعد المخالفة. لكن القرآن لا يقدم وصفاً فلسفياً صريحاً يجعل الجنة بالضرورة هي إحدى السماوات السبع.
وقد اختلف علماء المسلمين في تحديد طبيعة ومكان جنة آدم: هل كانت جنة الخلد في السماء، أم جنة خاصة بآدم قبل حياته الأرضية؟ ولذلك فإن القول بأن القرآن يحسم قطعاً أن آدم كان في السماء قبل الهبوط إلى الأرض يحتاج إلى قدر من الاحتياط.
وهنا يظهر الفرق بين النص القرآني وبين التفسير والتراث الديني اللاحق.
خامساً: هل استوى الله على العرش ثم صعد إلى السماء؟
هذه النقطة تحتاج كذلك إلى تصحيح المفاهيم.
القرآن يقول: “ثم استوى على العرش”، كما يقول في موضع آخر: “ثم استوى إلى السماء وهي دخان”. ولا يصح فلسفياً ولا عقدياً أن نختزل هذه العبارات في صورة بشرية تقول إن الله “جلس على العرش ثم صعد إلى السماء”.
لأن مفهوم المكان والحركة عند الإنسان لا يمكن إسقاطه ببساطة على مفهوم الإله المتعالي في الفكر الإسلامي.
ومن هنا نشأ علم الكلام والفلسفة الإسلامية حول سؤال جوهري:
إذا كان الله خالق الزمان والمكان، فكيف يمكن أن يكون محكوماً بالمكان أو بالحركة داخله؟
وهذا السؤال يقودنا من القراءة الحرفية إلى مبحث فلسفي عميق في الوجود الإلهي، والمكان، والزمان، والتعالي.
سادساً: من أين جاءت بنية الخلق والسقوط؟
إذا انتقلنا إلى المقارنة التاريخية، نجد أن قصة آدم والجنة والشيطان والسقوط ليست معزولة عن التاريخ الديني للشرق الأدنى القديم.
هناك تقاليد وأساطير أقدم من اليهودية تتحدث عن الخلق، والإنسان الأول، والآلهة، والحدائق المقدسة، والماء الأولي، والخلود، والصراع بين القوى الكونية.
وهذا يقودنا إلى نتيجة منهجية مهمة:
الميثولوجيا الدينية لا تولد دائماً من فراغ؛ بل تتشكل داخل ذاكرة حضارية طويلة.
اليهودية نفسها نشأت داخل فضاء حضاري مشرقي تفاعلت فيه مع تقاليد بلاد الرافدين وكنعان ومصر وفارس وغيرها. ثم جاءت المسيحية في البيئة اليهودية، وجاء الإسلام بعد ذلك في فضاء ديني وثقافي كان يعرف اليهودية والمسيحية وتقاليد أخرى.
لكن التأثير لا يعني التطابق.
سابعاً: هل اليهودية هي “الميثولوجيا الأقوى”؟
يمكن القول إن التراث اليهودي كان المصدر التاريخي المباشر لكثير من القصص التي انتقلت إلى المسيحية، ثم أعيد تفسير بعضها داخل الإسلام.
فالمسيحية خرجت تاريخياً من البيئة اليهودية، والكتاب المقدس المسيحي يضم الأسفار العبرية. كما أن القرآن يدخل في حوار واسع مع شخصيات وقصص معروفة في التراث اليهودي والمسيحي، مثل آدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود وسليمان وغيرهم.
لكن القول بأن “الميثولوجيا اليهودية تسيطر على الإسلام” ليس دقيقاً من الناحية العلمية.
الأدق أن نقول:
هناك بنية سردية مشتركة في الأديان الإبراهيمية، تشكلت عبر قرون من التفاعل والتوارث وإعادة التأويل، وكانت اليهودية إحدى حلقاتها الأساسية، وليست بالضرورة المصدر الوحيد لكل عناصرها.
ثامناً: الجنة والنار والصعود والسقوط
تظهر في الديانات الثلاث ثنائيات فلسفية كبرى:
السماء / الأرض
الجنة / النار
الخير / الشر
الخلود / الموت
المعرفة / الجهل
الطاعة / العصيان
الارتقاء / السقوط
وهذه الثنائيات ليست مجرد قصص دينية، بل تمثل محاولة الإنسان القديم للإجابة عن السؤال الوجودي الأكبر:
من أين جئت؟ ولماذا أنا هنا؟ وإلى أين أذهب؟
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة قصة آدم لا باعتبارها حادثة تاريخية فحسب، وإنما باعتبارها أنثروبولوجيا رمزية للإنسان: إنسان يولد في حالة من القرب من المقدس، ثم يدخل عالم الاختيار والرغبة والخطيئة والمعرفة والموت.
تاسعاً: الأسطورة والدين
هنا يجب أن نكون دقيقين في استعمال كلمة “أسطورة”.
في الدراسات الفلسفية والأنثروبولوجية، لا تعني الأسطورة بالضرورة “الكذب”، وإنما تعني السرد الرمزي الذي يحاول تفسير أصل العالم والإنسان والمقدس والمصير.
ولهذا يمكن دراسة قصة الخلق دراسة ميثولوجية دون أن يكون الهدف نفي القيمة الدينية للعقيدة.
فالفيلسوف يسأل:
ما الذي تعنيه القصة للإنسان؟
بينما يسأل المؤمن:
ما الذي تخبرنا به القصة عن الله؟
والسؤالان ليسا بالضرورة متناقضين، لأنهما ينتميان إلى مستويين مختلفين من المعرفة.
عاشراً: النتيجة الفلسفية
إن البحث عن “الميثولوجيا الأقوى” يقودنا في النهاية إلى نتيجة أكثر عمقاً من مجرد إعطاء الأولوية لليهودية أو المسيحية أو الإسلام.
فالأديان الإبراهيمية الثلاثة تشترك في ذاكرة دينية وحضارية متراكمة، لكنها أعادت بناء هذه الذاكرة بطرق مختلفة.
اليهودية أعطت الخلق والإنسان والعهد والسبت بنية خاصة داخل تصورها الديني.
المسيحية أعادت تفسير الخلق والسقوط والفداء من خلال شخص المسيح.
والإسلام أعاد صياغة كثير من قصص الأنبياء والخلق والبعث والتوحيد ضمن رؤية قرآنية مختلفة تؤكد مركزية التوحيد والمسؤولية الإنسانية والحساب.
لذلك فإن “الميثولوجيا المسيطرة” ليست بالضرورة يهودية خالصة، ولا مسيحية، ولا إسلامية، وإنما يمكن الحديث عن مخزون ميثولوجي مشرقي قديم أعادت الأديان الإبراهيمية الثلاثة إنتاجه وتأويله وفق رؤاها الخاصة.
والسؤال الفلسفي الأعمق ليس: من سرق من؟
بل:
كيف تحولت الأسطورة القديمة إلى عقيدة، وكيف تحولت العقيدة إلى رؤية للكون، وكيف أصبحت رؤية الكون أساساً لفهم الإنسان والتاريخ والمصير؟
ومن هنا يصبح الرقم سبعة أكثر من مجرد رقم؛ ويصبح الخلق أكثر من مجرد بداية زمنية؛ وتصبح الجنة أكثر من مكان؛ ويصبح السقوط أكثر من حادثة؛ وتصبح السماء والأرض صورتين لعلاقة الإنسان بالمطلق.
إنها في النهاية محاولة بشرية قديمة للإجابة عن السؤال الذي لم يفقد الإنسان حقه في طرحه:
كيف بدأ الوجود، ولماذا وُجد الإنسان، وما الذي ينتظره بعد أن يغادر هذا العالم؟
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2