اسامة ناصر / شيكاغو
بعين مجهرية على مستقبل قضيتنا لنستطيع ان نقرأ ونسأل عن اجيالنا القادمة ودورها الحيوي للدفاع عن حقوق شعبنا .
ان الجيل القادم لن يبتعد عن السياسة بل يقترب منها عبر طرق لا تمر دائما بالتنظيمات والمؤسسات.
لذلك قد يكون من الخطأ فهمه من خلال التصنيفات المعتادة والمألوفة.
السؤال الأهم ليس هل سيكون يمينيا أم يساريا محافظا أم تقدميا.
السؤال هو:
هل سيشارك في السياسة بالطريقة التي عرفناها ؟
هذا الجيل أقوى من الأجيال السابقة في امتلاك أدوات التأثير والتغيير والمعرفة والتنظيم .
انه جيل يولد في عالم لا يحتاج فيه الإنسان إلى مؤسسة او تنظيم كي يصل إلى الناس ولا إلى منصب كي يصنع قضية ولا إلى حزب كي يطلق حملة شعبية .
شاب واحد يستطيع أن يفتح نقاشا يصل إلى ملايين الناس خلال ساعات
وفكرة صغيرة قد تتحول إلى حركة واسعة.
وحملة تبدأ من هاتف قد تصل إلى جامعة أو شركة أو مؤسسة سياسية وتجبرها على الرد.
لم تعد القوة دائما في من يملك المنبر والمنصب .
القوة أصبحت أيضا في من يستطيع أن يصنع المنبر حول قضيته وهنا تبدأ التحولات الحقيقية.
لأن الجيل القادم لن يتعامل مع الشبكات الرقمية باعتبارها أدوات جديدة حيث ستكون جزءا طبيعيا من حياته وكينونته.
ولن يسأل بالضرورة إلى أي تنظيم أنضم بل قد يسأل:
ما المشكلة التي أستطيع تغييرها ومن أستطيع أن أحرك معي وقد لا يرى ضرورة للفصل بين المواطن والناشط وصانع المحتوى والإعلامي والسياسي والتنظيمي.
فيمكن أن يكون الشخص مواطنا في لحظة وناشطا في لحظة أخرى وصانع محتوى في لحظة ثالثة ثم يعود إلى حياته الطبيعية دون أن يحمل أي صفة سياسية ثابتة.
وهذا يجعل التنظيمات التقليدية أمام تحد غير مسبوق لانها تعمل غالبا من خلال العضوية والقيادة والهيكل والقرارات.
أما الجيل القادم فيستطيع التحرك بسرعة أكبر ومن خلال شبكات مفتوحة لا تحتاج دائما إلى قيادة مركزية وقد تبدأ الحركة من الجمهور ثم تجد المؤسسات نفسها مضطرة إلى اللحاق بها وهنا تظهر قضية فلسطين كأحد الأمثلة الواضحة.
فالقضية لم تعد تتحرك فقط من خلال المؤسسات والتنظيمات السياسية التقليدية بل أصبحت تنتشر عبر الجامعات والمنصات الرقمية والفن والثقافة والحملات الشعبية وأصبح بإمكان أفراد لا يحملون أي منصب سياسي أن يشاركوا في صناعة نقاش عالمي وأن يؤثروا في أولويات الجامعات والشركات والمؤسسات السياسية.
وهذه ليست نهاية اي تنظيم لكنها نهاية احتكاره للتأثير حيث في الماضي كان التنظيم يصنع الجمهور أما اليوم فقد يصنع الجمهور التنظيم.
وفي الماضي كان السياسي يحتاج إلى مؤسسة ومنبر كي يصل إلى الناس أما اليوم فهو يحتاج إلى فهم شبكة من الناس تستطيع أن تفرض قضية كاملة على المؤسسة.
وهنا تكمن قوة الجيل القادم:
انه لا يحتاج إلى انتظار القيادة كي يبدأ وقد لا يحتاج إلى مؤسسة كي يتحرك ولا إلى حزب كي يعلن موقفه ولا إلى صحيفة كي يصنع رأيا عاما .
إن القوة الحقيقية لهذا الجيل لن تكون فقط في قدرته على تحريك الناس
بل في قدرته على تغيير مفهوم السياسة وتعاطيه معها .
فالسياسة التي عرفناها قامت على التنظيم والعضوية والقيادة والانتخابات.
أما السياسة القادمة فقد تقوم على القضية والشبكة والسرعة والقدرة على الحشد.
قد لا تختفي الأحزاب
وقد لا تختفي التنظيمات
لكنها ستواجه سؤالا جديدا
هل تستطيع أن تقود جيلا لا ينتظر من يقوده.
وربما تكون هذه هي اللحظة التي تنتقل فيها القوة من التنظيم إلى الجمهور.
ومن القيادة إلى القدرة على التحريك.
ومن انتظار القرار إلى صناعة الضغط المطلوب .
فالجيل القادم ليس بالضرورة جيل ما بعد السياسة بل قد يكون جيل ما بعد الشكل القديم للسياسة وعندما يحدث ذلك لن يكون السؤال كيف نكسب هذا الجيل ؟
بل السؤال الأكبر
ماذا سيحدث عندما يكتشف هذا الجيل أنه يستطيع التأثير من دون أن يحتاج إلى المؤسسات والتنظيمات والأحزاب التي احتكرت التأثير لعقود.
والسؤال الاصعب للتنظيمات والأحزاب :
ماذا سيحدث بعد ذلك ؟؟
اخوكم اسامة ناصر / شيكاغو