د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2
ينطلق التصور الشقباوي من التمييز بين الجسد بوصفه مادةً مؤقتة، والنفس بوصفها جوهراً غير مادي. فالجسد هو المسكن الذي تمارس فيه النفس وجودها الدنيوي، لكنه ليس عين النفس ولا جزءاً من ماهيتها بالضرورة.
ومن ثم فإن الموت لا يعني فناء الإنسان بالضرورة، بل يعني انفصال النفس عن الجسد وانتقالها إلى مرتبة وجودية أخرى.
الجسد والفساد
الجسد كيان مركب يخضع لقوانين الطبيعة؛ ولذلك فإن موته يعني تفكك وحدته العضوية. غير أن التفكك ليس عدماً مطلقاً، لأن عناصر الجسد تعود إلى الطبيعة وتدخل في تكوينات ووظائف جديدة.
وهنا تظهر فكرة العود الأبدي للعناصر: فالمادة لا تعود إلى الجسد نفسه، وإنما تنتقل من تركيب إلى تركيب.
لذلك لا يمكن، من منظور هذا البرهان، إثبات عودة الجسد نفسه بذاته بعد الموت اعتماداً على حركة المادة وحدها.
النفس والانتقال إلى عالم آخر
أما النفس، باعتبارها غير مادية في هذا التصور، فلا تخضع لقانون فساد الجسد بالطريقة نفسها. فعند الموت تتحرر من مسكنها المادي وتنتقل إلى عالم آخر مختلف في الدرجة والماهية والبيئة الوجودية.
وبذلك تصبح الحياة بعد الموت حياةً أخرى، لا مجرد استمرار للحياة الأرضية.
مقارنة فلسفية
تتقاطع هذه الرؤية مع أفلاطون في تمييزه بين النفس والجسد، وفي اعتبار خلود النفس أعمق من وجود الجسد؛ لكنها تختلف عنه في تركيزها على تحولات العناصر الطبيعية.
وتقترب من ابن سينا في القول بتميز النفس عن الجسد وبقاء النفس بعد انفصالها عنه، بينما تقدم تصوراً خاصاً لطبيعة الجسد يقوم على التفكك والعودة إلى الطبيعة.
وتلتقي مع ابن عربي في فكرة انتقال الإنسان بين مراتب الوجود وتعدد العوالم، لكنها تجعل الانتقال من الجسد إلى العالم الآخر محوراً ميتافيزيقياً مستقلاً.
أما هايدغر، الذي جعل الموت إمكاناً أساسياً من إمكانات الوجود الإنساني، فينتمي إلى أفق أنطولوجي مختلف؛ فالتصور الشقباوي يتجاوز سؤال الموت بوصفه نهايةً للوجود الدنيوي إلى السؤال عن مصير النفس بعد الموت.
السعادة والشقاء
لا تكون الجنة والنار، وفق هذه القراءة، مجرد مكانين، بل درجتين من درجات الوجود.
فالجنة هي اكتمال النفس وبلوغ المعرفة والكمال والاتصال بالحقيقة الإلهية، بينما الشقاء هو استمرار النفس في النقص والابتعاد عن كمالها.
ومن هنا يصبح تفاوت النفوس في العالم الآخر قائماً على تفاوتها في الكمال والمعرفة.
الخلاصة: البرهان الفلسفي الشقباوي
يمكن تلخيص الأطروحة في ثلاث قضايا:
أولاً: الجسد مسكن مؤقت للنفس، والموت هو انفصال النفس عنه.
ثانياً: الجسد لا يفنى فناءً مطلقاً، بل تتفكك عناصره وتعود إلى الطبيعة، فتدخل في تركيبات جديدة؛ ولذلك لا يلزم من العود الأبدي للمادة عودة الجسد الفردي نفسه.
ثالثاً: النفس، باعتبارها غير مادية، لا ينطبق عليها فساد الجسد بالضرورة، بل تنتقل بعد الموت إلى عالم آخر، حيث تبدأ حياة وجودية جديدة.
وبذلك يصبح الموت، في الفلسفة الشقباوية، ليس انتقالاً من الوجود إلى العدم، وإنما انتقالاً من حالة وجود إلى حالة وجود أخرى:
الجسد يعود إلى الطبيعة، والنفس تعود إلى ربها؛ المادة تتحول، والنفس تنتقل، والوجود لا ينغلق بالموت.
د. صالح الشقباوي